د. إشيب ولد أباتي: جمال عبد ناصر : نحن الامة.. يا ثورة .. يا حرية.. ياكرامة عربية.
تقديم:
في لغتنا العربية أن النداء "يا" ، هو للدلالة على قرب الشخص المنادي، لذلك فأنتم، يا جمال عبد نصار، يا حبيب الملايين، ستبقى في فكرنا رؤى واضحة، وفي قلوبنا ضميرا لا يعرف الخيانية، وثورة كالجمر الذي نسطلي به، ونبدد به ظلام الزمن العربي المفقوء الابصار جراء استبداد المستبدين..
فلعلنا نحيي بمبادئ الثورة العربية ضمير الأمة مهما حاولوا اطفاء شعلتها فلا بديلا عن حضور "جمال عبد الناصر "، والثورة في تفكير العربي، وتفكير كل أحرار العالم، فالثورة، هي الحلم في الذاكرة الجمعية، وهي الطريق الوحيد الذي يضمن الاستقلال، والتغيير الثوري...
وسيبقى تفكيرنا موجه بمبادئ الثورة من اجل التحرير، ومواجهة الصهيونية، والامبراطورية المتهصينة، وحثالاتهما في الأنظمة " العبرية" الحاكمة في عواصم العرب..
القسم الأول:
فبعد غياب جمال عبد الناصر، غابت شمس العرب، وبغياب انجازات الثورة، تبخر عصر الثورات العربية بالحروب الامبريالية، فاضحى العرب في بيداء الواقع المؤلم، يكتوون بهمجية الصهيونية، والاحتلال الامريكي وهما يدمران مدائننا بقنابلهما المحرمة ..!!
ولذلك لازال النداء، الاستغاثي، يبحر حناجر الأمة عبر كتابها " يا ناصر،،، نحن الشعب، نحن الأمة، يا ثورة، يا حرية، ويا كرمة عربية.."
وهذا لسان حال الأمة العربية المهمومة باوجاع هذا الوطن من الماء إلى الماء، نظرا لما وصلت إليه بعد اندثار مظاهر، ومقومات عصر الثورات العربية، وغياب شمس الحرية، والحداثة العربية..
فقد غيبت الأنظمة السياسية المتخلفة، التابعة، المتصهينة في هذا الوطن الكبير ، وجه الأمة المسافر في ابعاده الثاوية إلى اللاقرار في تجاويف الهزائم،، لذلك نحن امة خارج عتبة الحداثة، و المعاصر..!!
فعادت بنا الأحداث السياسية إلى عصور الانحطاط" التركية"، والاحتلالات الامبريالية في القرن التاسع عشر الميلادي..
ولذلك ، فأي كتابة لا تعبر عن حال الأمة، و" تغريبتها" المأساوية، فهي كتابة خارج السياق العام، لأنها لا تعكس " الأبادة الجماعية". و الاحتلالات الامريكية، والهمجية الصهيونية، وتبعية الحثالات السياسية لأنظمة القهر "العبري" ، وحراسه في مصر، و دمشق، و بيروت، و بغداد، والرياض، و الرباط، و تونس، و غيرها من الانظمة التافهة التي لا تساوي أن تذكر ،حتى على هامش الكتابة....!
و لعل الحاجة اكثر من ماسة لثورة ال ٢٣ من يوليو في الوطن العربي، سواء أكان ذلك في مصر "الكنانة"، أم غيرها من اقطار وطني العربي التي مارست - و تمارس - أنظمتها العهر السياسي منذ ١٩٧٠م.
ومنذئذ اصبحنا أمة تحت مقصلة الأندثار بالتقسيط، ذلك أن الامبريالية الامريكية، وربيبتها الصهيونية المحتلة لفلسطين، ولجنوب اللبناني، ولجنوب سورية، قد أعادتنا إلى عصر الاحتلالات الغربية: الفرنسية، والانجليزية، والإيطالية، والاسبانية، وكأن لم يكن لعصر الثورات، والاستقلال الذي قادته ثورة مصر جمال عبد الناصر سنة ١٩٥٢م، وثورة القرن العشرين في الجزائر، وثورة الثأر العربي في العراق ضد حلف بغداد، كما كانت ثورة الحداثة في اليمن، والسودان، والصومال، وليبيا...!
إن سياسة الانظمة المتصهينة، جعلت من رؤساء أنظمة الحكم " العبرية"، حراسا للقواعد العسكرية الامريكية بعد أن فرضت عليها التبعية، استمراء الخيانات العظمى باتفاقيات نهبت الإنجازات التي حققتها الأمة على عهد أنظمة الاستقلال قبل خمسين عاما،،
ففي مصر كانت سياسة الانفتاح" الساداتية"، أول مشروع قضى على قوانين الإصلاح الزراعي، واستلبت الأراضي من الفلاحين التي كانوا يزرعونها ، لصالح ابنائهم، بينما في عصر الانفتاح، اصبحوا " أقنانا" يستغلهم الاقطاعيون، مثل اجدادهم في عهدي المماليك، والملكية..!
كما بيع القطاع العام للمستثمرين الأجانب لتحويل مق
رأت الشعب المصري إلى قطاع خاص، وكان ذلك، سببا في طرد عشرات الملايين من قوى الشعب العاملة..!
إن كل ذلك حصل لاستسلام السادات الخياني ومن تولى الحكم بعده، ولازال يأتمر بأوامر الأمبريالية الأمريكية، و كانت اتفاقية " كامب ديفيد" السبب في جعل شبه" جزيرة سينا" قواعد للجيش الأمريكي الذي، استبدله العهد الخياني الحالي بالجيش الانجليزي حين كان محتلا لمدن القناة قبل اتفاقية الجلاء، واكثر من ذلك، فالتطبيع الخياني بين مصر والكيان الصهوني، مهد لاتفاقيات:
وادي عربة، واوسلو، والابراهيمية مع أنظمة خيانية لم تشارك يوما ما، في حروب التحرير من أجل فلسطين، و لم تكن على حدودها، أو في تفكير قادتها، تحرير المقدسات، واستعادة الحقوق الى أهلها في فلسطين..!!
كما نهبت الخانات العظمى مقدرات مصر، والاردن بالاندماج الاقتصادي مع الكيان الصهيوني، فأصبحت مصر المستورد الأول للغاز الفلسطيني لمساندة الاجرام الصهوني..!!
كما وصلت النذالة بنظام مصر " الكنانة" إلى حصار " ثورة طوفان الاقصى"، ونقل الأسلحة من ميناء الإسكندرية الى ميناء حيفاء...!!
إن أي سؤال لا يركز على مأساة الأمة العربية، وما تواجهه مجتمعاتها في القرن الواحد والعشرين، ويقارن بين جحيم مأساتنا العربية ، وبين تحديات عصر الغزاة في القرن التاسع عشر ..
هو سؤال فارغ من أي مضمون، ولا يعكس ظواهر الوجود العربي المهدد، ومدنه التي حولها الاحتلال إلى أكوام من الاسمنت المدمر بآلتي الموت الصهيوني، الامريكي..؟!
ومن هنا كانت الضرورة ملحة في الوطن العربي لاستدعاء التغيير بسبب العجز عن حماية الهوية العربية، والتهديد الوجودي للوحدتين:
١ - الديموغرافية، بالابادة الجماعية، حيث حصدت الأرواح بمآت الألاف جراء عدوان، و بطش الغزاة في غزة العزة، وفي لبنان، وصنعاء، و طهران...
٢ - جغرافية الوطن العربي التي تقتطع بجنوب لبنان، وجنوب سورية، و الضفة الغربية، وسكان غزة، وهم تحت الإبادة بمجازر الخط الأصفر، ولا يشربون ، إلا بالبحر الغزاوي..!!
ولماذا لم يطرح السؤال بجد، عما هو دور مجتمعات الأمة المغيبة عن مآلاتها، والمعمية عما ينتظرها تحت عجلات قطار الموت الصهيوني الذي انطلق منذ خمسين عاما، وهو يوزع حرائقه، وأباداته من محطة، إلى أخرى، فيحصد الارواح، ويدمر المدائن، ويعيد خرائط الانظمة السياسية الطائفية، والعشائرية...؟!
ومتى سيبقى الوطن العربي، ومجتمعاته في أوطانها التي صارت حفرا مأساوية، وهي بتوصيف الراحل نزال قباني"
(( والعالم العربي إما نعجة .. مذبوحة أو حاكم غصاب ))
إن دور الانظمة السياسية، اقتصر على العمالة المتصهينة،، والدفاع عن القواعد العسكرية الامريكية، وجرائم الكيان الصهيوني،، !!
فهل نسلم بأن لا فائدة من هذه الاجيال العربية الحالية، ونعلق الأمل على احفادها، كما خلص إلى ذلك، أحد قادة ثورة " طوفان الأقصى" قبيل استشهاده في خندقه تحت رمال غزة، بعد سنتين من الانتظار، ولا من عرب يستغاث بهم، ولا من أمة إسلامية تفهم معنى للأخوة الإسلامية، إلا بتوظيف" أردوغان " لها من اجل اسناده لتحقيق احلام اليقظة، واستعادة العثمانية، وانكشاريتها التي علقت أحرار العرب على المشانق في الميادين العامة في دمشق، وبيروت، و" الموصل"، ،، ثم أخيرا هرب الانكشاريون بجيوشهم أمام الانجليز من مدينة غزة.. !!
لقد كتب الشهيد محمد زكي رحمه الله تعالى، ما يلي:(( لقد كانت دماء العز في غزة، هي شعلة الحياة لهذه الأمة، وإن لم نر هذه الحياة الآن، فسيراها الجيل القادم بإذن الله تعالى))( محمد زكي، تحت راية طوفان الأقصى، ص 41)
صبرا، يا أهل غزة، ما أقبح هذا الزمن العربي، وأسوأ حظا لثورة "طوفان الأقصى" العظيمة التي شكلت الوعي الانساني لدى الإنسانية جمعاء عدا المجتمعات العربية تحت الغبوبة،،؟!!
لماذا؟
والجواب واصح ، إنه لغياب ثورة ال ٢٣ من يوليو، ومظاهرها التحررية، وضميرها الحي، وشرف عروبتها في مصر، و الوطن العربي، والا لكانت الدبابات، والصواريخ، والجيوش الجرارة، على بوابة غزة من "رفح" دفاعا عن ثورة طوفان الاقصى في السابع من اكتوبر ٢٠٢٣، على غرار دفاع جيش مصر بقيادة جمال عبد الناصر في فلسطين ايام كان يدافع عن محافظات غزة في حرب ٤٨، كما دافع عن ثورات العرب من الجزائر، إلى اليمن بجيش، مصر الثورة ...
القسم الثاني :
لقد كانت الحاجة ماسة الى الثورة العربية العظيمة التي غيرت موازين القوى محليا، وعربيا، وهو التغيير الذي كان في سياساته، ومضامينه، وابعاده، ثورة لا، انقلابا سياسيا، بدليل ما اعكسته الأوضاع السياسية على مستوى مصر، ذلك أن التغيير، أخذ مداه في مجاله القومي العربي، فاستحقت ثورة ال ٢٣، اسمها " الثورة العربية"، وكان ذلك تعريفا لدورها في التغيير الذي قادته في البعدين الوطني، و القومي معا.
ومن حق القارئ علينا، أن اقدم له العوامل التي بررت قيام الثورة التي كانت انجازا وطنيا، وقوميا عاما، ومحطة فارقة لنضال الشعب العربي في مصر وبثورته في ال ١٩١٩م. كما ساندتها ثورتا العشرين في العراق، وفلسطين، وثورة ١٩٢١ في سورية..
لقد انتفضت القوى الحية في الأمة العربية، وثارت على المحتل، وواجهت المؤامرات الكبرى التي حيكت، وأراد بها الاستعمار الغربي أن تبقى الأمة العربية ممزقة الاشلاء على خارطة الوطن العربي، لذلك قامت الثورات الوطنية في كل من العراق ، وفلسطين بشعبها العربي المناضل دفاعا عن حقوقه على ارضه، ومصيره، وكذلك الحال في سورية قلب العروبة النابض الذي واجه شعبها الغزاة الفرنسيين..
ولو اتفقنا على مقولة، و" الفضل للمتقدمي"، فهو للثورة العربية الكبرى سنة ١٩١٦م. ضد استبداد التركي، و" جينات " تخلفه.
أما ثورة ١٩١٩، في مصر، فكانت ضد المحتل الانجليزي..
لأن سياسات الاحتلال الامبريالي الغربي، كانت اكثر غباء، بشخصنة العمل الثوري ، وذلك من اجل أن تقطع الصلة بين الثورات ، وقادتها، لذلك قامت باقصاء الثوار اعتقادا من الانجليز، أن ابعادهم لسعد زغلول وراء الحدود، قد يخضع النظام الملكي، وأن الشعب المصري، سيتراجع عن تأييده لقادة ثورته ، وهكذا نفي " سعد زغلول "، لكن جرت الأحداث بما لم يقدر الاحتلال الانجليزي، الذي طبق سياسته السابقة عندما ابعد قادة الثورة ١٨٨٢م. بابعاد محمد عرابي، ومحمود سامي البارودي - رحمهما الله تعالى -.
فلم يكن نفي" سعد زغلول باعتباره قائد ثورة ١٩١٩م. ليوقف الانتفاضة الشعبية في المدن المصرية، فلم تخرج الجموع من الشوارع، وعمت الفوضى وجهي مصر: البحري، والقبلي،،
فكان الحل في شعار المنتفضين، وهو: " لا تكلمونا، كلموا سعد زغلول" ، و التماسا للهدوء، واحتواء الوعي الجمعي عاد سعد زغلول مرفوعة الهامة... غير أن الانجليز، لم يكونوا على قناعة بالتعايش مع حكومة " سعد زغلول" التي شكل وجودها نقيضا للتحالف الثنائي بين الحكم الملكي الاستبدادي، والاحتلال الأجنبي الغدار..
ولم يستطع الاحتلال تقبل الحكومة التي أتي بها الشعب،، ففي سنة ١٩٣٦م اسقطت الدبابات الانجليزية حكومة حزب الوفد، واستبدلت بها حكومة جاء بها تحالف المندوب الانجليزي مع مليك القصر، وتكررت ذات السياسة العناء...
فقامت المظاهرات في المدن، وثار الشعب المصري بحكومته الشرعية التي كان اول قرار لها هو اسقاطها لمعاهدة "١٩٣٦" ، ومواجهة النظام الملكي، فقام جيش الاحتلال بمذبحة بشعة في " الاسماعيلية"، حصدت الأرواح في مواجهات دامية، لم يستطع النظام، أن يضع لها حدا، وعم الاحتقان العام الذي كان" السب الكافي " لقيام الثورة سنة ١٩٥٢م.
ولعل من المهم أن أحيل إلى تلك الوقائع بما أكدته الوثائق التاريخية. كما اوردها الكتاب، الصحفي، المؤرخ الراحل محمود السعدني - رحمه الله تعالى - في كتابه " مصر من تاني "، كتب ما يلي(( .. وهكذا جاء عام 1949 ومصر مختنقة، ومختلفة، وحالها حال حكومات الأقلية، تحكم البلاد منذ خمس سنوات، و"الوفد" مطرود، ومنبوذ، ومحاصر من السراي، ومن الانجليز، ومن كل الجهات، ولكن لحسن حظ مصر، فقد صور العملاء للملك، أن" الوفد" كحزب قد انتهى، وأن الجماهير التي كانت تلتف به، قد انتهت من حوله .. فدعا إلى انتخابات حرة لكي يضع كل إنسان في حجمه، ولكي يمنح الشعب فرصة القضاء على حزب "الوفد" .. وجرت انتخابات، ثم جاءت النتيجة في النهاية ..لقد اكتسح "الوفد" الانتخابات .. وهاجت مصر وماجت ، ووقفت، ولم تقعد هذا اليوم المحموم، وقف مصطفى النحاس، ليعلن على شعب مصر نبأ إلغاء معاهدة سنة 1936 مع بريطانياالعظمى..
وتحولت مصر إلى بركان من النار، هدرت الجماهير في الشوارع، وانطلقت الجموع تهاجم معسكرات الانجليز في القناة، ووقف رجال الشرطة موقفا سيظل خالدا في تاريخ مصر ، وتكونت الجماعات الفدائية، واشترك في المعركة كل الاحزاب، وكل الاتجاهات، ووقف وزير الداخلية إلى جانب الجماهير يدعمهم بالسلاح ، والمال، وسقط الف قتيل مصري، نصفهم من رجال الشرطة، ونصفهم من الطلبة، والعمال، ومختلف طوائف الشعب. وبدأ الانجليز في محنة، وأن الملك في مأزق، وكان لابد من حل، وكان الحل، هو إشعال النار في القاهرة ..
فهاجمت دبابات الانجليز محافظة الاسماعيلية، ودكتها دكا،، وسقط في المعركة نحو مائة شهيد من عساكر الشرطة، ومثلهم من افراد الشعب. وتمت المؤامرة حين أمر الملك ، قوات الجيش باحتلال المدينة - القاهرة - وأصدر قرارا بإقالة وزارة مصطفى النحاس.. ))،(ص ص ١٢٢،١٢٣، ١٢٥)
وقد يسأل القارئ، لماذا وصلت الأوضاع السياسية إلى ما وصلت اليه؟
إنه الوعي المبكر للشعب العربي في مصر، وتردي الأوضاع الاجتماعية في ظل حكم الثالوث الذي كان بمثابة " الطاحونة" التي طحنت حياة الشعب المصري، وكان الثالوث المتحالف، هو: الاحتلال الانجليزي، والنظام الملكي المستبد، والنظام الاقطاعي..!
وعن هذا الثالوث حدث ولا حرج عن سياسته الاجرامية في مصر حيث كان النظام الاقطاعي قد أحيا جرائم عصر الأقطاع الأوروبي بجعله الفلاحين " اقنانا"، وذلك قبل قيام ثورة ال ٢٣، يوليو.
وتأثير المعاناة من سياسة النظام الاقطاعي الظالم، الامر الذي جعل قادة الثورة، يواجهون اعوان الاحتلال في الداخل، اكثر من مواجهة الاحتلال الخارجي،،و في سبيل تحقيق المجز الثوري، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضع تشريع، وفرضت سياسية الإصلاح الزراعي، وهو الذي أكد أن الحاجة كانت ملحة لإنقاذ مصر، ولم ينقذها الا قادة الثوار في تنظيم الضباط الاحرار بقيادة جمال عبد الناصر رحمه الله،،
وهذا الذي سجله بصدق، واخلاص للمبادئ، وللأمة،، كتاب مصر الاحرار الذين قدموا الثورة، وقادتها رغم ما واجهت من طوابير خماسية ما كاد عبد الناصر أن تغيبه الوفاة حتى انهالوا على المنجزات بمعاول الهدم،،،
والتعريف الذي عبر عن المضمون السياسي، والتغيير الاجتماعي لثورة ال ٢٣ يوليو في مسارها التاريخي طيلة ثمانية عشر عاما من الانجازات، تلو الانجازات..
لقد كتب الراحل محمود السعدني، عن الثورة ما يلي:(( ... فوجئت الناس بقيام أعظم، وأمجد حدث في تاريخ مصر الحديث، وهو قيام ثورة ٢٣ يوليو، وكانت هدية السماء لشعب مصر))(ص ١٢٥)
نعم، قامت الثورة، وكانت ثورة بيضاء، لم تسقط فيها قطرة دم واحدة، وكان قادتها من حركة الضباط الاحرار، يعتقدون أن واجبهم، سينتهي بإسقاط النظام الملكي، وإخراج المحتل الانجليزي، ولم يسعوا للسلطة، والحكم، لذلك سلموا القيادة لمن لم يكن له علاقة بالثورة، لا في التفكير فيها، أو التخطيط لها، أو اتخاذ المبادرة في ليلة قيامها، وهذا واقع الحال، كما نقلته الوثائق التاريخية عن " محمد نجيب " بتوليه الأمانة، وقيادة الحكم، لكنه خانهما، برفضه، الاعلان عن سقوط النظام الملكي طيلة ستة اشهر، وخلال حكمه حاك المؤامرة تلو الأخرى على الثورة وقادتها،، فاضطروا الى وضع حد لسلوك " محمد نجيب" الانحرافي، وادأحيل إلى التقاعد تحت الإقامة الجبرية...
وبعد اتفاقية الجلاء سنة ١٩٥٤ ، أخذت الثورة طريقها إلى النصر في مواجهة التحديات الداخلية، والخارجية على حد سواء، وحالفها التوفيق بفضل الله تعالى، ثم باتساع رؤيتها الاستراتيجية في أن مصر لا يمكن أن تستقل استقلالا وطنيا، دون أن تستقل الاقطار العربية والافريقية، ولذلك بدأت الثورة تفتح المكاتب لحركات التحرر العربي، والافريقي، والآسيوي، فكان أولها مكتب المغرب العربي بقيادة قائد ثورة عظيمة قامت في ثلاثينيات القرن العشرين قامت في المغرب، بقيادة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي - رحمه الله تعالى - الذي قارع ثلاثة جيوش للامبراطوريات الثلاث : الاسبانية، والفرنسية، والبرتغالية، كما كان الأمير محمد عبد الكريم الخطابي الأب الروحي بلا منازع لمكتب المغرب العربي.
وكان هدف ثورة ال٢٣ ، هو ساندة حركات التحرر العربي، والاستقلال الوطني، واحداث التغيير الاجتماعي، والاقتصادي في الوطن العربي، كما في مصر، ففتحت ابواب التعليم المجاني لكل قاصد لمصر، كما كانت قوانين الإصلاح الزراعي تهدف إلى لتحقيق العدالة الاجتماعية، وذلك لطرق ابواب الحداثة..
أما مسار الثورة العربية، فقد حدد ملامحه العامة" محمود السعدني" - رحمه الله - ما يلي:(( سيظل عام 1954 واحدا من أخطر الأعوام في تاريخ مصر .. وفيه دخلت مصر عصرا جديدا، وهو الذي انتهى بها إلى تحقيق المعجزات، ولولاه، لما كان انتصار 1956, ولا كانت الوحدة، ولا كانت الأشتراكية، ولولاه لما كانت مصر القومية، والعربية، وزعيمة العالم الثالث، ومفجرة الثورات في كل مكان))(ص 158)
ولما كانت مصر "الإقليم القاعدة"حقيقة ، لا إدعاء، نظرا لتيار التغيير الذي هبت نسائمه،،،،
فاحيت الأمل في وعي المواطن العربي، وكان ابناء الامة في القوات المسلحة، وغيرها طلائع للثورات السياسية، والاجتماعية.