*ملاحظات حول حرب الشرق الأوسط*
أتابع باهتمام مجريات حرب الشرق الأوسط وقد.خرجت خلال الأيام الماضية بجملة من الملاحظات سأستعرضها من خلال النقاط التالية:
يلاحظ المتخصصون في الدراسات الاستراتيجية الدفاعية حدوث تغير كبير في الأسلحة الفعالة في الحروب، فقد أدى سباق التسلح بين المعسكرين الشرقي والغربي خلال الحرب الباردة إلى الاعتماد على الأسلحة الثقيلة المكلفة التي يحتاج تصنيعها للبحث العلمي المتراكم، والاستثمارات الكبيرة، والعقول المتخصصة إضافة إلى الوقت، مثل حاملات الطائرات، والصواريخ العابرة للقارات، وطائرات الشبح، وصواريخ باتريوت، والرادارات الضخمة القادرة على مسح دائرة قطرها 5000 كم.
تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية في مجال التصنيع الحربي على القطاع الخاص، حيث تقوم بعض الشركات المتعاقدة مع البانتاغون بإجراء الأبحاث وتطوير الأسلحة الهجومية والدفاعية، وبعد تجريب الأسلحة توقع وزارة الدفاع طلبيات لها مع تلك الشركات، بزيادة 10% على كلفة تصنيع السلاح.
يتطلب تصنيع الأسلحة الثقيلة الكثير من الوقت فهي تركب يدويا، وليست لديها خطوط إنتاج مثل الصناعات الغذائية والطبية، فصاروخ ثاد المضاد للصواريخ على سبيل المثال يتألف من سبعين قطعة ولا يمكن للشركة المصنعة أن تنتج منه سوى عشرين صاروخا في الشهر، وهو ما يعني أن الكميات الموجودة منه في الاحتياط الأمريكي محدودة، وقد تم سحب الكثير منها مؤخرا لمساعدة كل من أوكرانيا في حربها ضد روسيا، والكيان في حربه ضد أرض العزة، وحرب 12 يوما التي خاضها الكيان ضد إيران، وهذا ما يفسر النقص الحاد في تلك الصواريخ، حتى إن الولايات المتحدة اضطرت إلى سحب مخزونها المخصص لحماية كوريا الجنوبية وتايوان وإرساله إلى الشرق الأوسط.
نجحت إيران خلال الأربعين سنة الماضية في تطوير صواريخ فرط صوتية يصل مداها إلى 2000 كم، وتتميز بدقة التوجيه العالية، ومع كل تلك المميزات لا تزيد كلفتها عن 200 الف دولار ويتم تصنيعها محليا، وتشرف عليها وحدات خاصة تابعة للحرس الثوري، وهو ما يعني وجود احتياطي كبير من الصواريخ الهجومية لدى إيران.
نجحت إيران أيضا في صناعة وتطوير المسيرات الهجومية، ومكنتها الحروب التي خاضها حلفاؤها في اليمن ولبنان وحتى روسيا من تطوير تلك المسيرات الانقضاضية ومضاعفة فاعليتها، وزيادة سرعتها ودقة توجيهها فأضحت سلاحا فعالا يحسب له العدو ألف حساب، وكلفته لا تزيد عن 25 ألف دولار.
استفادت إيران من أخطاء نكسة 1967 ومن هزيمة العراق خلال الحربين التين خاضهما ضد قوات التحالف، ومن الحرب الطويلة التي خاضتها الولايات المتحدة مع جارتها أفغانستان، ومن الحروب الأخيرة على الأراضي المحتلة، وتوصلت إلى أن الولايات المتحدة ودولة الكيان تعتمدان في الحروب على سلاح الجو، الذي لا يبقي ولا يذر، نظرا لقدرة الطيار على تدمير بنك الأهداف الموجود على وجه الأرض، فوظفوا الجغرافيا للاستفادة من التاريخ، فحفروا الأنفاق العميقة، ونحتوا الجبال، و بنو المدن تحت الأرض، فخزنوا فيها الطائرات المقاتلة، والصواريخ الهجومية، والمسيرات الانقضاضية، والزوارق الحربية السريعة، إضافة إلى منصات إطلاق الصواريخ، كما بنت معاملها النووية في أعماق الأرض فقلل ذلك من خطر غارات الطائرات الحربية عليها.
أظهرت الحرب الدائرة حاليا أن الأسلحة الأمريكية المتطورة عاجزة عن اعتراض الأسلحة الإيرانية المحلية، وهو ما أكدته صور الأقمار الصناعية التي نشرتها مؤخرا الواشنطن بوست، فقد تمكن الحرس الثوري من إحداث أضرار جسيمة في القواعد الأمريكية التي تحتضنها بعض دول الخليج العربي، والأردن، والعراق، وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة حريصة على حماية تلك القواعد فقد أنفقت على بنائها وتجهيزها ترليونات الدولارت منذ التسعينات وحتى اليوم.
يلاحظ المتابع ليوميات الحرب أن الكيان الذي كثيرا ما تباهى بقدرات القبة الحديدية ومقلاع داود على ردع أي هجوم صاروخي يطال أراضيه، وقد ساعده في ذلك صغر المساحة، وكثرة الملاجئ، وسيطرته الكاملة على وسائل الإعلام، وهو ما قلص من تأثير صليات الصواريخ التي يقصف بها الكيان، ولكن الحربين اللتين خاضهما ضد إيران فندت تلك المزاعم وفككت ذلك الطرح، وأظهرت عجز القبة عن حماية أمن الكيان فدخلها الناموس والبرغوث وبودوات.
تختص إيران فيما يسمى ب "التكنولوجيا العكسية" فكل مسيرة أمريكية يتم إنزالها بسلام، وكل صاروخ باليستي أو قنبلة ذكية، يتم استخراجهما قبل انفجارهما من بين الأنقاض، سيجري تفكيكهما من قبل الخبراء الإيرانيين إربا إربا، وسيدرسون خصائصهما ويستنسخون منهما نسخا جديدة مختومة بختم صنع في إيران.
يراقب العملاق الصيني الحرب عن كثب، فكل حرب تزيد دخول الولايات المتحدة في مستنقع الشرق الأوسط تخدمه على المديين القريب والمتوسط، فهي ستخفف من التواجد الأمريكي في المحيط الهندي من جهة، وتمكنه من جهة أخرى من التعرف على نقاط قوة وضعف السلاح الأمريكي، فيرسم انطلاقا من مخرجات ذلك التقييم سياسة مواجهته الحتمية معه في المستقبل.
*يعقوب بن اليدالي*