يثير موضوع الأنساب، بين فينة وأخرى موجات متجددة من النقاش الحاد الذي لا يلبث أن ينزلق إلى جدل عقيم، يستهلك الجهد والوقت دون أن ينتج معرفة راسخة أو أثرا نافعًا.
وقد عبر ابن خلدون عن هذه الإشكالية بعمق حين أشار إلى أن النسب، في كثير من تجلياته "وهمٌ"، فالنسب ليس إلا بناء اجتماعيا تسهم فيه المخيلة الجمعية بتصورات زائفة، مما يجعله عرضة للتزوير والتضخيم.
وإذا كان الإسلام قد تعامل مع الأنساب بوصفها معطى اجتماعيا له اعتباره في سياق التعارف والتنظيم، فإنه في الوقت ذاته حذّر من الانزلاق إلى توظيفها في التفاخر أو الطعن.
ومن أفراد مسلم على البخاري، قوله صلى الله عليه وسلم: " أربعٌ في أمَّتي من أمرِ الجاهليةِ ، لا يتركوهنَّ : الفخرُ في الأحسابِ ، و الطعنُ في الأنسابِ ، و الاستسقاءُ بالنجومِ ، و النياحة".
وهذا الحديث يضع حدًّا فاصلاً بين الاعتبار المشروع للنسب، والانحراف به إلى أداة للصراع الرمزي والاجتماعي.
وفي السياق الموريتاني، يُعدّ الشيخ باب ولد الشيخ سيديا من أبرز من امتلكوا الأهلية العلمية والاجتماعية لتدوين أنساب المجموعات المحلية، بما توفر له من أدوات البحث، ومن شبكة واسعة من الرواة والمصادر الشفوية والمكتوبة، فضلاً عن اهتمام بعض الإداريين والباحثين الاستعماريين بجمع هذه المادة ورغبتهم في المساعدة، من أمثال بول مارتي وغيره، ومع ذلك، يروى عن الشيخ باب الإعراض عن الخوض في هذا الباب، مكتفياً بمؤلَّفه «إماراتا إدوعيش ومشظوف»، الذي جاء استجابة لظروف موضوعية محددة، لا اندفاعا وراء شهوة التصنيف أو إثارة الجدل.
ويُفهم من هذا الموقف أن الشيخ باب كان يُدرك حساسية هذا المجال وخطورته، حيث ميّز بين ثلاثة مستويات للنسب:
-نسب يرويه الناس عن أنفسهم، و يُسلَّم لهم به لمقولة: "الناس مصدقون في أنسابهم" من باب الاعتبار الاجتماعي، لكنه نسب ظني لايعوَّل عليه علميا.
-نسب يقوله الناس عن غيرهم، وقد ينطوي على الطعن والتجريح، فيفضي إلى النزاع والفتنة والشحناء والبغضاء وهو المعروف بـ "بنحت الأثلة" قال الأعشى:
ألستَ منتهيًا عن نَحتِ أثلتنا :: ولست ضائرَها ما أطّتِ الإبل.
وهذا باب من الفتنة عظيم لا يجوز فتحه.
-ونسب حقيقي لا يعلمه إلا الله تعالى.
وبهذا التقسيم، يضع الشيخ أساسا نقديا صارما يقلص من قيمة الادعاءات المتداولة، ويحجم من توظيف النسب في غير مقاصده.
وعليه، فإن ما يثار بين الحين والآخر من سجالات حول الأصول والأنساب لا يعدو أن يكون ضربا من الترف الفكري، الذي سرعان ما يتحول إلى عامل تفكيك للنسيج الاجتماعي ولُحمته، بدل أن يكون وسيلة لتعزيزه.
فحين يستبدل منطق العلم والموضوعية بمنطق التعصب والانتقائية، يغدو النسب أداة لإنتاج الخصومة لا المعرفة، ولتغذية الانقسام لا التعارف.
ينبغي توجيه الجهود نحو ما ينفع الناس في حاضرهم ومستقبلهم، لا الارتهان لجدالات تستحضر الماضي بوصفه ساحة صراع مفتوح، فالمجتمعات التي تتجاوز عقدة الأصل إلى فضاء الكفاءة والعمل، هي وحدها القادرة على بناء تماسك حقيقي، قائم على القيم المشتركة لا على الأوهام المتنازع عليها.
كامل استحفي