الفساد في موريتانيا: بين إشكالية النشأة وتحديات الإصلاح مقدمة

2026-07-16 22:51:36

بسم الله الرحمن الرحيم

الفساد في موريتانيا: بين إشكالية النشأة وتحديات الإصلاح

مقدمة

هل تأسست موريتانيا من أول يوم على الفساد، أم أنه كان نتاج ممارسات وإخفاقات لاحقة؟ وهل يمكن القول، دون مبالغة، إن مفردة الفساد أصبحت من أكثر الكلمات تداولًا في أحاديثنا اليومية، سواء بين الأفراد، أو في وسائل الإعلام، أو في أوساط السياسة والإدارة، بل وعلى نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي؟

هل يعود هذا الحضور المكثف للحديث عن الفساد إلى أنه بلغ مستوى أصبح معه المواطن يلمس آثاره في تفاصيل حياته اليومية؟ أم أن تكرار الحديث عنه يعكس صعوبة تقبله، وشعورًا عامًا بأن الظاهرة أصبحت مستعصية على المعالجة؟

ومع انتشار الحديث عن الفساد، لا نكاد نكلف أنفسنا عناء تصنيف أنواعه أو تحديد أشكاله المختلفة، فالفساد يمكن أن يطال مختلف مناحي الحياة، كما أن الإصلاح بدوره ينبغي أن يكون شاملًا. فكلاهما يمس الإنسان، والأعمال، والمؤسسات، وحتى طريقة التعامل مع الأشياء.

غير أن أكثر صور الفساد التي تستوقف الناس هي تلك المرتبطة بإدارة الشأن العام، وخاصة الفساد المالي، وما يتصل به من ممارسات بعض المسؤولين الإداريين والسياسيين ومن يقفون خلفهم من أصحاب النفوذ والمصالح.

ويقتضي الحديث عن الفساد، قبل كل شيء، تحديد مفهومه، والكشف عن أبرز تجلياته ومظاهره، ومعرفة من يمارسه، ومن يستفيد منه، ومن يفترض أنه يقف في مواجهته.

فهل الفساد في موريتانيا حقيقة متجذرة، أم أنه ظاهرة نادرة يصعب العثور عليها؟ وإن كان موجودًا، فمن يحاربه؟ ومن يدفع ثمن انتشاره؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من العودة قليلًا إلى الوراء، إلى بدايات نشأة الدولة الموريتانية، للبحث في ظروف الميلاد والتأسيس، والتساؤل عن العلاقة المحتملة بين طبيعة النشأة ومسار تطور ظاهرة الفساد.

مفهوم الفساد

الفساد في اللغة هو نقيض الإصلاح، ويدل على التلف والعطب والخروج عن حالة الاعتدال والاستقامة. فيقال: فسد الطعام إذا تلف، وفسدت الأخلاق إذا انحرفت، وفسدت الأمور إذا اختلت، وفسدت العقود والمعاملات إذا بطلت أو فقدت شروطها.

أما في الاصطلاح السياسي، فالفساد هو إساءة استخدام السلطة العامة لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية، ويشمل الرشوة، واستغلال النفوذ، والمحسوبية، وتحويل الموارد العامة إلى منافع خاصة، بما يؤدي إلى غياب العدالة، وتدهور الاقتصاد، وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة.

ومن هنا يصبح السؤال: كيف تأسست الدولة الموريتانية؟ وهل حملت ظروف تأسيسها عوامل ساعدت لاحقًا على ظهور بعض الاختلالات؟

ميلاد الدولة الموريتانية

ولدت الجمهورية الإسلامية الموريتانية سنة 1960، ويمكن القول إنها الولادة كانت قيصرية؛ إذ واجهت منذ البداية نقاشًا حول شرعيتها وحدودها. ويرى بعض الباحثين أن الدولة الجديدة قامت على مجال جغرافي وبشري كان جزءًا من فضاء أوسع، هو بلاد البيظان، الممتد من المحيط الأطلسي إلى أزواد، ومن درعه إلى ضفاف نهر السنغال والذي سمي في فترة ما بنهر صنهاجه.

وكان هذا المجال يتميز بدرجة كبيرة من التجانس في المرجعيات الثقافية والدينية، وأنماط العيش، والعلاقات الاجتماعية. غير أن التقسيمات الاستعمارية أدت إلى تجزئة هذا الفضاء، وهو ما يرى البعض أنه ترك آثارًا على علاقة المجتمع بالدولة الناشئة.

وقد كان لهذا الوضع تأثيره على بناء الدولة؛ إذ واجهت النخبة الأولى تحدي إقامة كيان مستقل في مجتمع لم يكن قد تشكل لديه بعدُ شعور كامل بالدولة الوطنية الحديثة، بعد عقود من إدارة استعمارية وسلطة مركزية أجنبية.

الإدارة الموروثة عن الاستعمار

ورثت الدولة عن المستعمر إدارةً صُممت وفق مقاسه، ناطقة بلسانه، وحاملة لكثير من سماته، معزولة نسبيًا عن المجتمع ومتقدمة عليه من حيث أدوات السلطة والتنظيم.

وهنا يطرح السؤال: هل كانت تلك الإدارة فاسدة بطبيعتها، أم أنها هيأت بيئة مناسبة لنشوء بعض مظاهر الفساد؟

يرى البعض أن من فضائل تلك الإدارة أنها كانت إدارة مدنية، وربما يُقال ذلك من باب "شكر أجواد عيب أخرى". ومن المؤكد أن أول رئيس لموريتانيا، المرحوم المختار ولد داداه، كان معروفًا بنظافة اليد وبروح وطنية عالية، ومن الشواهد على ذلك أنه كان يحول الهدايا الشخصية التي تقدم إليه إلى مرافق أو مشاريع ذات نفع عام.

لكن هل يعني ذلك أن الإدارة كلها كانت على المستوى نفسه من النزاهة؟

لقد كانت الإدارة الوطنية الأولى موروثة بدرجة كبيرة عن الإدارة الاستعمارية، بل كانت امتدادًا لها في كثير من الهياكل والعناصر. وإذا لم تكن نسخة مطابقة لها، فمن الطبيعي أن تحمل بعض سماتها.

وكانت الإدارة الاستعمارية تعتمد، في تعاملها مع المجتمع، على وسطاء ومترجمين يمثلون حلقة الوصل بينها وبين السكان، وكان هؤلاء الوسطاء يتلقون أحيانًا العطايا والهبات مقابل تسهيل المصالح أو التأثير في القرارات.

ومع انتقال الإدارة إلى الدولة الوطنية، انتقلت معها بعض هذه العادات والممارسات التي ظل بعضها حاضرًا إلى اليوم.

الجفاف واختبار الإدارة الوطنية

كان أول اختبار حقيقي واجه الإدارة الوطنية الناشئة في مجال الكفاءة والنزاهة هو ظاهرة الجفاف التي ضربت البلاد في سبعينيات القرن الماضي وغيرت نمط حياة الموريتانيين، وأدت إلى نزوح واسع من البوادي نحو المدن.

فقد وجدت الإدارة نفسها أمام واقع جديد أصبحت فيه تتحكم في جوانب أساسية من حياة المواطنين؛ فهي التي تشرف على توزيع القطع الأرضية السكنية على النازحين، وتتولى توزيع المواد الغذائية والمساعدات القادمة من بعض الدول، والتي عُرفت باسم (الإسعافات)، كما أصبحت الحالة المدنية والخدمات الإدارية الأخرى من المجالات التي يرتبط بها المواطن بشكل مباشر.

وقد كشفت تلك الظروف عن ظهور أنماط جديدة من التعامل مع السلطة والموارد العامة. فمن الممارسات التي انتشرت أثناء توزيع الإعانات أن تنقسم الأسرة الواحدة إلى عدة أسر للحصول على نصيب أكبر، كما كانت تظهر أحياء أو تجمعات من أجل الاستفادة من تلك المساعدات.

وعند توزيع القطع الأرضية السكنية تكررت بعض الممارسات نفسها، حتى وصل الأمر في بعض الحالات إلى منح القطعة الواحدة لأكثر من شخص بترخيص رسمي، ثم بيعها، وهو ما أدى إلى انتشار ما عُرف بين الناس بمفهوم "دوبل أمبلوا"، أي ازدواجية الترخيص.

ولم تكن الإدارة وحدها مسؤولة عن نشوء هذه الممارسات، غير أن الأقرب إلى الإدارة كانوا الأكثر استفادة من الثغرات الموجودة في النظام الإداري وغالبا كان ذلك بتسهيل من الإدارة نفسها.

وقد شعر المواطنون بالضيق من احتكار الإدارة للمواد التي كانت تحت تصرفها، وعبروا عن ذلك في الشعر الشعبي، مثل الكاف الشهير:

"احميرا يا الشفاع ... عند الوالي غبطه"

"مـــــا ريــــناها تـنباع ... ؤ مـــــاريــناها تـــنطه"

 في إشارة إلى صعوبة الوصول إلى المسؤولين أو الحصول على الحقوق دون وساطة.

وكانت تلك المرحلة بداية ظهور علامات الفساد الإداري في الدولة الموريتانية الحديثة.

من الحكم المدني إلى الحكم العسكري

يميز الموريتانيون في تاريخهم السياسي الحديث بين مرحلتين: مرحلة الحكم المدني، ومرحلة الحكم العسكري التي بدأت بانقلاب 1978، الذي أطاح بالنظام المدني. في أول وهلة، قال العسكريون إنهم أنهوا عهد الخيانة والرشوة. ولكن هل كانوا على حق؟ وهل كانوا الأفضل للتسيير والأقل فساداً؟

في الواقع، لا يمكن الفصل الميكانيكي بين المرحلتين، اعتباراً أن الإدارة هي ذاتها، والرجال هم الرجال أنفسهم الذين تعلموا في المدرسة نفسها. لكن المفارقة الأهم هي أن الفساد لم يظهر بأقوى صوره إلا مع وجود التعددية السياسية، أو ما سمي "ديمقراطية ميتران"، ومع تمويلات البنك الدولي. في هذا العهد، أصبح الدعم الانتخابي مرهوناً بتقديم الرشاوى، وبيعت مؤسسات الدولة بأثمان زهيدة للتجار من أجل كسب الولاء، وشاعت صفقات التراضي، وابتُكر مفهوم "التدوير" كآلية لإعادة إنتاج المفسدين، وأصبح الفساد هو القاعدة وليس الاستثناء. ومن علاماته البارزة ظهور الثراء الفاحش والسريع والبذخ في حياة رجال الدولة وحواشيهم

التعددية السياسية وتوسع الفساد

مع ظهور التعددية السياسية، أصبح التنافس الانتخابي مجالًا جديدًا للممارسات التي ساهمت في انتشار الفساد. فتحولت الانتخابات في كثير من الأحيان إلى ساحة لاستقطاب الولاءات، وأصبح الدعم السياسي مرتبطًا بتقديم المنافع والهدايا والوعود.

كما ظهرت شبكات نفوذ قادرة على لعب أدوار ميدانية في خدمة السلطة، وتم منح بعض المؤسسات والمرافق العامة لأشخاص معينين ليتصرفوا فيها وكأنها ملكيات خاصة.

وشملت هذه الممارسات قطاعات الدولة المختلفة؛ فبعض المسؤولين إذا غادروا منصبًا مُنحوا منصبًا آخر، وكأن انتقالهم بين المواقع أصبح نوعًا من إعادة التدوير المستمر.

كما بيعت بعض مؤسسات الدولة بأثمان زهيدة إلى رجال أعمال بهدف كسب الولاء السياسي، وانتشرت صفقات التراضي، وضعفت مبادئ الشفافية والمنافسة.

وهكذا أصبح الفساد، في نظر كثيرين، ليس مجرد حالات فردية معزولة، بل ظاهرة مرتبطة ببنية التسيير نفسها.

ومن أبرز علامات ذلك ظهور مظاهر الثراء الفاحش والبذخ في حياة بعض رجال الدولة والمقربين منهم، بما أثار أسئلة حول مصادر تلك الثروات ومدى ارتباطها بالنفوذ السياسي والإداري.

فإذن نحن لم نعد نحتاج إلى جهود استثنائية لمحاربة الفساد، فشهادة أهله دالة على أن "القميص قد قُدَّ من كل الجهات". وكل وافد إلى السلطة يقول إنه سيحارب الفساد. ولكن ما نلاحظه اليوم، رغم وجود القوانين المجرمة والهيئات المكلفة، هو مجرد تناوب على الفساد، سلمياً كان أم غير سلمي، أي إحلال مفسدين مكان آخرين، وكل يغني على مفسديه، ويعاملهم بــ"ملوسية ليد". وإذا أتى العياط من الجبل فأين المفر؟

المجتمع والنخب في مواجهة الفساد

هل للمجتمع ونخبه دور في تكريس الفساد أو محاربته؟ الفساد له مظاهر متعددة: الرشوة، الابتزاز، استغلال المناصب، الوساطة والمحسوبية، تفضيل الأقارب، شراء الأصوات، اختلاس المال العام، وتجاوز القانون، بل وقيام السلطة بسن قوانين تحمي المفسدين وتمنع المحاسبة.

في ضميره الجمعي، يحسب المجتمع السرقة والنفاق عيباً، لكنه في النهاية ينظر إلى رجال الدولة الفاسدين باعتبارهم ناجحين ومحظوظين فقط. وإذا كان من المستغرب أن تكون فئة فقهاء الشريعة أكثر حزماً في مواجهة الفساد، بالوقوف عند الحلال والحرام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ظاهرة "علماء السلطان" الموروثة في تاريخنا لم تختفِ، ولعل الموائد اليوم أكثر دسامة.

أما النخب السياسية الموازية أو المعارضة (الشيوعية، الماركسية، القومية، الإسلامية)، التي كانت تعلن الرفض المطلق للنظام القائم، فقد انشغلت بالتنافس والصراع البيني، واستُقطبت من قبل الأنظمة، فلم تستطع أن تطهر سيوفها ولا ألسنتها مما لحقها من الفساد الشائع. ومع ذلك، لا ينبغي تعميم القول، فهناك أحزاب وشخصيات لا زالت تكشف بعض الممارسات، وإن كانت ضعيفة التأثير، وتعرضت للاختراق والاستقطاب، مما يسبب الإحباط واليأس. وقد كانت منظمة الشفافية الشاملة قد تعرض رئيسها للسجن مرتين إثر محاولته الكشف عن قضايا فساد، فهل يعني ذلك أن للفساد أرباباً يحمونه؟ وهل هناك استحالة لمواجهتهم؟

 

 

 

نحو الحكامة الرشيدة

إن مواجهة الفساد لا يمكن أن تقوم على الشعارات وحدها، بل تحتاج إلى بناء نظام يقوم على ما يعرف بـالحكامة الرشيدة؛ أي الإدارة التي تضمن الاستخدام الأمثل للموارد وتحقيق التنمية المستدامة.

وتقوم الحكامة على مبادئ أساسية، من أهمها:

الشفافية.

المساءلة.

المحاسبة.

المشاركة.

فالإصلاح الحقيقي لا يكون فقط بتغيير الأشخاص، وإنما بإصلاح القواعد والمؤسسات، وبناء ثقافة عامة ترفض الفساد، وتكافئ النزاهة والكفاءة.

ويبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع موريتانيا الانتقال من مرحلة الحديث عن الفساد إلى مرحلة بناء منظومة فعالة تمنعه وتحاسب مرتكبيه؟

فالمعركة ضد الفساد ليست معركة قانون فقط، بل هي معركة مجتمع كامل: دولةً ومؤسساتٍ ونخبًا ومواطنين.

محمد الحسن ولد أحمد

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122