د. إشيب ولد أباتي: من تهمه اعترافات محمد فال بن بلال على أريكته السياسية..؟!

2026-06-15 00:47:32

على الرغم من أن عنوان المقالة التي نشرها ابن بلال في وسائل التواصل الاجتماعي، وتناقلتها، وجهها للأدباء - ولسنا منهم، لله الحمد - وربما ذلك  في سبيل اعترافهم  بمكانته بينهم،  لكن هل سيكون الأدباء في مستوى نظرائهم  للدفاع عن الأدب،  كجماعة المتأدبين في " المقامة الدمياطية " للحريري،، ليطلبوا من  صاحبهم،  المزيد من البلاغة في الوصف الأدبي، وذلك  للبرهنة على ملكته الانشائية في الوصف، والتحليل، والمصداقية في عرضه ل" شذرات من تجربتي.." في المقالات التالية ، ولكن ألا يستدعي ذلك  من الأدباء  إختبار صاحبهم بالدينار الذهبي في امتداحه، حتى يستحقه الواصف، وذم الدينار الثاني، حتى يستحقه كذلك…؟ فكان  صاحب" المقامة الدمياطية"  شاهدا على مقدرة  السارد على الوصف مدحا، وذما، واستحقاقا…

غير أن السؤال في بلادنا، هو  من يعطي من؟ فالأدباء في مجتمعنا متسولون بالكاد، والعديد منهم لم يجد  من يطبع، وينشر كتاباتهم الفكرية، ولذلك يتنقلون جيئة، وذهابا، إلى مراكز محطات البنزين، والبترول في الخليج العربي من أجل طباعة منشوراتهم، لأن ليس من خيارات العروض المذكورة عن المسرح السياسي، رفع التكلفة لصالح الثقافة التي ينتمي لها صاحب المقال باقتدار.. 

أما الكتاب السياسيون فهم، يتصدرون  طليعة الفئات القبلية الجهوية  الموصوفة ب" التدوير" - السياسي - من الوزارات، إلى إدارة الشركات التي تستحوذ على ثروات البلاد، كصاحبكم ابن بلال،، ولو أنه  أديب دون القيمة السياسية المضافة مثل الأدباء، والشعراء، لما حظي بالتجديد التدويري الذي هو من خصوصيات، بل مأثورات  السياسيين الذين وقع عليهم الوصف بالمحاباة، والمماحكاة السياسية" الكذبة الجماعية" على التعبير الصريح في المقال الذي باح ، كالمقيأ " المقذف "  - الكاف الحسانية - بالقليل من الأعترافات الأولية، وكأن الأدب العربي، والموريتاني تحديدا، يطالب منتجه بالأعتراف بسرقاته، وجناياته، وغسيل اخلاقياته الشخصية، وذلك محاكاة من الكاتب لأداء فرنسيين معاصرين، واولهم " اندري مالروAndré Malraux)  (1901 - 1976

الذي كان أديبا، ثم  وزيرا للثقافة، وقد سجن لمدة سنتين، بسبب سرقته للآثار في إحدى المستعمرات الفرنسية في آسيا، ولعله ، كان قدوة للأعترافات التي تواصلت فيما بعد في الأدب الفرنسي المعاصر،،

ولكن ماهي المشتركات  السياسية بين كل من ابن بلال، والأديب، و"مالرو" وهو السياسي  الفرنسي ؟

لعلهما كانا عضوين، في  حزب " تجمع الشعب الفرنسي"، باعتبار حزب الشعب الموريتاني، كان جزءا من الأول بحكم التبعية السياسية والثقافية لفرنسا خلال ستينيات القرن الماضي، ولربما كانت قيادة  الراحلة السيدة الأولى رحمها الله، لأطر الكادحين في حزب الشعب الموريتاني، عززت من تأثر ابن بلال، ب" مالرو"..

لكن ما يهمنا أكثر، هو ما ورد في المقال من  ليبرالية في الطرح، واستنطاق غير دقيق لعلماء الاجتماع  على ما يراه الكاتب، لا ما قالوا بالتنظير للتحولات الاجتماعية، وتطور المجتمعات الحديثة، والمعاصرة، فمن ذكر منهم بأن (( السلطة لاتحكم بالقوة وحدها، بل بإرادة الانطباعات، أي أنها تحاول باستمرار، أن تجعل الناس يرون الواقع بالصورة التي تريدها هي..))؟

وقل الشيء ذاته في التقول، خارج الوصف، والتنظير لعلماء الاجتماع من اعتباطية، وفهم على هواه، وتنظيف بما تواضع عليه في المقال، أن (( السياسة في معظم تجارب العالم، تقدم بوصفها، تنافسا على السلطة، وتدافعا بين البرامج، والرؤية المختلفة))  هذا التعريف افتراضي، تنظيري، اشتراطي، و مغالط،  بما يكفي، دون جواب الشرط، الأقل من مستوى التهافت في الفهم، والوصف للظواهر الاجتماعية مهما كنت متخلفة في المجتمعات، والظروف الزمانية.

 فكاتبنا مؤطر للتخلف فيما  نظر- من التنظير - له، ونظر اليه من زاوية التخلف، لا من منافذ أكثر إضاءة من الصورة القاتمة، كارجاع التخلف السياسي للتجارب السياسة التي شارك في مثالبها الكاتب، باعترافاته الصادمة التي تأتي في إطار محاكاته للأدباء الفرنسيين، وليقنع القراء بتأثير المؤسسات المهمشة على الثقافة، والسياسة الاجتماعية على طريقة " مشيل فوكو"، فهل هذا يبرر تحميل المجتمع وزر الانظمة السياسية الفاسدة، و"سدانة" النخبة  السياسية لها، وتنميط اجيال المجتمع طيلة خمس وستين سنة، باعتبارها عمر أنظمة الاستقلال السياسي، ولم يؤسس بعد للدولة، ومأسستها، وعوض عن ذلك بالتماهي، وتوظيف (( فهم بعض طبائع المجتمع الموريتاني العميقة، وما يشوب علاقته بالسياسة من ازدواجية متجذرة منذ الاستقلال تقريبا..)).! 

والسؤال الذي يمكن البحث عن إجابة له في العلاقة بين الكاتب في سيرته السياسية، ومقاله، لما فيه من اعترافات، وتداعيات، قد تدينه، كما تدين النخبة الفاسدة ككل.

والسؤال المضمر، والصريح معا،  هل محمد فال بن بلال أعلن  القطيعة مع القبيلة  في ماضيه، ومنه الدفاع عن المكون الثقافي الفرنسي للنخبة، كمطالبته السابقة اخضاع التعليم في بلادنا للتبعية للهوية الثقافية للآخر، والمسنودات العرقية توظيفا،،أو أن المقال محاولة لقتل الوقت بكتابة هذه الخاطرة  عن مفاسد النظم السياسية الموريتانية، وعن الأنكشاف للأسترزاقيين في وسائل التواصل الاجتماعي، والابتعاد مظهريا عن " اللحلحة" بعد سقوط  كل تمسرح سياسي، أو من التهرب منه بهذا التأريخ للفساد المشترك بين طرفين: سلطة سياسية متغيرة، ونخبة فاسدة ثابتة ما بقي المجتمع هرميا متشقق البناء، تنخره السياسة القبلية التي يتكئ عليها كل الفاسدين.؟!

وبالنظر لمسرح الظل الذي وظفه الكاتب بافتقاده خصائص الفن المسرحي،،  عدا هذه السردية القولية، دون عرض لحدث سياسي ما.

 لذلك نذكر الكاتب بمقولتي الأديبين اللذين  حملا المسؤولية للمسارح السياسية على عهدهما، على العكس من ابن بلال في تحميله للمسؤولية الاجتماعية، والثقافية لمجتمعه، وثقافته..

ف" شكسبير" كتب للمسرحيين الملتزمين ما يلي: (( اعطني مسرحا وخبزا ، أعطيك شعبا مثقفا..)) .

وبعده،  كتب " برتولت بريخت " : (( أعطني مسرحا، اعطيك شعبا عظيما..))

فأين من هذه الاقتباسات المشرقة، إرجاع  الكاتب  تخلف المسرح السياسي للمجتمع الموريتاني الذي، سيبقى في وجوده ، ووعيه المتنامي رغم كل المسرحيات السياسية الميلودرامية، وكل من يهرب منها، ومن تلاحقه..؟

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122