كشف اختيار خليل الحية لرئاسة المكتب السياسي لحركة حماس وتفضيله على خالد مشعل عن قراءة تنظيمية وسياسية دقيقة لمرحلة ما بعد الحرب؛ مرحلة تتطلب أدوات قيادية مختلفة تماماً عن صيغ إدارة الأزمات التقليدية. لم يكن هذا الحسم مجرد تفضيل لشخص على آخر، بل كان تجسيداً لإعادة هيكلة شاملة لرؤية الحركة واستراتيجيتها في ظل التوازنات الجديدة التي فرضها الواقع الميداني والإقليمي وهناك 5 أسباب محتملة وراء هذا الاختيار منها
ولاً: الشرعية الميدانية والتلاحم مع كلفة الحرب في غزة
فرضت الحرب الأخيرة على غزة معياراً جديداً في منح الشرعية القيادية، حيث أصبحت المعاناة المباشرة والتواجد في قلب المشهد الميداني شرطاً أساسياً لحوزة ثقة القواعد التنظيمية والجناح العسكري.
خليل الحية، الذي عاش تفاصيل الحرب وذاق ويلاتها شخصياً بفقدان عدد من أبنائه وأفراد عائلته واستهدافه المباشر، ينتمي إلى المدرسة التنظيمية لقطاع غزة التي أدارت المعركة وتجرعت كلفته الشديدة. في المقابل، يُنظر إلى خالد مشعل باعتباره ممثلاً لـ "قيادة الخارج" التي ظلت بعيدة عن الأطُر الميدانية للحرب وعن المعاناة لسكان القطاع، مما جعل كفة الحية هي الأرجح لقيادة حركة تسعى لترميم حاضنتها الشعبية وإعادة بناء ما دمرته الحرب في معقلها الرئيسي.
ثانياً: الحفاظ على التماسك بين القيادة السياسية والعسكرية في مرحلة التعافي
شكل العلاقة بين المكتب السياسي والجناح العسكري (كتائب القسام) حجر الزاوية في استمرار الحركة وتماسكها خلال الحرب وما بعدها. خليل الحية، بحكم عمله نائباً ليحيى السنوار وقربه المباشر من القيادات العسكرية والمستويات الأمنية في غزة، يمتلك خطوط تواصل وموثوقية عالية لدى الجناح العسكري الذي خاض الميدان. هذا الرصيد يكفل عدم حدوث أي انفصام بين القرار السياسي والتنفيذي خلال مفاوضات ما بعد الحرب وملفات إعادة الإعمار والهدن الدائمة. وعلى العكس من ذلك، كان احتمال صعود خالد مشعل يعيد إلى الأذهان التباينات التاريخية بين التيار السياسي في الخارج والجناح الميداني، وهو ما رفضت الشورى التنظيمية المخاطرة به في ظرف دقيق يحتاج لأعلى درجات الانسجام.
ثالثاً: معادلة التحالفات الإقليمية وضرورة الشراكة مع محور المقاومة
أثبتت مجريات الصراع الممتد أن استمرار الحركة وقدرتها على بناء القوة يتطلبان تحالفاً وثيقاً مع محور المقاومة بقيادة طهران، وهو الملف الذي أدار الحية تفاصيله بعناية لسنوات كرئيس لمكتب العلاقات العربية والإسلامية للحركة. الحية يقف على أرضية صلبة وموثوقة لدى العواصم المحورية في هذا التحالف، وكان له دور حاسم في إحياء وترميم تلك العلاقات. في المقابل، يحمل خالد مشعل إرثاً سياسياً معقداً ارتبط بالتباينات الشديدة إبان أحداث "الربيع العربي" والقطيعة مع دمشق، مما جعل توليه القيادة مجدداً عقبة أمام تدفق الدعم اللوجستي والمالي والاستراتيجي المطلوب لمعالجة آثار الحرب وتأمين الجبهة الميدانية.
رابعاً: الخبرة التفاوضية المباشرة وقبول الوسطاء الإقليميين
اتسمت مرحلة الحرب وما بعدها بتعقيد الشق التفاوضي المتعلق بإيقاف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وإدارة المعابر ورفع الحصار. خليل الحية برز ككبير للمفاوضين ورأس الوفد السياسي في جولات التفاوض بالقاهرة والدوحة وغيرها، واكتسب خبرة تراكمية في المناورة السياسية وفهم تفاصيل الأوراق الفنية. هذه الخبرة المباشرة جعلته الشخصية الأكثر دراية بحدود المناورة والتنازلات الممكنة، فضلاً عن كونه محاوراً مقبولاً وموثوقاً لدى القنوات الإقليمية والدولية المسؤولة عن الوساطة، لأنه يملك تفويضاً صادقاً ومباشراً من القواعد الميدانية والقيادة الشاملة للحركة.
خامساً: واقعية بناء التوافق الوطني وإدارة ملف الحكم وإعادة الإعمار
تقتضي مرحلة يونيو 2027 وما ينطوي عليه الواقع الفلسطيني من تحديات كبرى كإعادة بناء قطاع غزة وترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، صعود قيادة تتمتع بالمرونة السياسية والقدرة على بناء التوافقات بدون الاستغراق في التجاذبات الأيديولوجية. خليل الحية، بما يمتلكه من علاقات متوازنة مع مختلف الفصائل الفلسطينية وتاريخ طويل في إدارة ملف العلاقات الوطنية، يعتبر الأكثر قدرة على التعاطي مع مبادئ التوافق الوطني والشراكة السياسية لإدارة المرحلة الانتقالية لقطاع غزة، متجاوزاً حالة الاستقطاب التقليدية التي أحدثتها بعض التوجهات السياسية السابقة.