يلحظ المتابع لمنشورات الإداري الحصيف والمثقف البارز الأستاذ *محمد فال بن عبد اللطيف* أن مؤلفاته الصادرة خلال السنوات الأخيرة تنتظم في مشروع سيري وتوثيقي متدرج، يكشف عن حرص واضح على استعادة مراحل حياته المهنية والدراسية، وتثبيت ما ارتبط بها من تجارب وذكريات وشهادات. فهو لا يقدم سيرته دفعة واحدة في كتاب جامع، ولا يسرد حياته وفق تعاقب زمني متصل بل يفرد لكل مرحلة كتابا مستقلا، يمنحها فيه ما تستحقه من استحضار وتأمل، حتى يغدو كل مؤلف فصلا قائما بذاته، متصلا في الوقت نفسه ببقية فصول التجربة.
وقد تجلت هذه المنهجية أولا في توثيق عدة مراحل من مساره المهني والإداري فخص بعض الوظائف التي شغلها بكتب مستقلة مثل "الوالي المساعد" و"حاكم مقامة" و"أشهر النعمة وشهور النقمة"، و"عشر سنين في وزارة الداخلية".
ولا تبدو هذه الأعمال مجرد ذكريات وظيفية متناثرة بل هي أقرب إلى لبنات متجاورة في بناء سيرة إدارية واسعة، تختلط فيها التجربة الشخصية بتاريخ الأمكنة والمؤسسات، وتتجاور فيها صورة الموظف مع أحوال المجتمع وتحولات الإدارة وتقلبات أنظمة الحكم.
ويبدو أن الأستاذ محمد فال شرع مؤخرا في استعادة ذكريات بعض محطات مساره الدراسي من خلال الرجوع إلى المنابع الأولى لتكوينه، مستأنفا كتابة سيرته من مقاعد الدراسة وفضاءات الطفولة فاستحضر مرحلة التعليم الابتدائي في مدرستي انيفرار واحسي المحصر من خلال كتابه "الذكر المذكور في أخبار الأكور"، ثم انتقل إلى مرحلة أخرى من تكوينه الدراسي في كتابه الصادر حديثًا *"إعدادية كبولاني"*.
وهكذا تتضح معالم مشروع يعيد صاحبه فيه ترتيب حياته في وحدات سردية مستقلة، تحتفظ كل واحدة منها بذاكرتها وذكرياتها وشخصياتها وأمكنتها وبصمتها الخاصة.
وتستدعي هذه المنهجية إلى الذهن تجارب أدبية وزع أصحابها سيرهم على كتب متعاقبة، مثل طه حسين في "الأيام" وتوفيق الحكيم في "زهرة العمر" و"سجن العمر"، وتولستوي في ثلاثيته "الطفولة والصبا والشباب".
غير أن فرادة تجربة الأستاذ محمد فال تكمن في أنه جعل من مراحل العمل الإداري، بما حفلت به من أمكنة وشخصيات ومواقف، فصولا في سيرة شخصية، وصفحات من ذاكرة الإدارة الموريتانية والمجتمع البيظاني.
ولئن كانت لهذه الطريقة نظائر في تجارب كبار كتاب السيرة، فإن تجربة الأستاذ محمد فال تحتفظ بخصوصيتها لأنها تنقل هذا المنهج إلى مجال لم يحظ غالبا بما يستحقه من الكتابة الأدبية، وهو مجال التجربة الإدارية. حيث حول الأستاذ محمد فال الوظيفة من مجرد منصب عابر إلى فضاء للمعرفة والملاحظة، وجعل من الولايات والمقاطعات التي عمل فيها محطات إنسانية واجتماعية، ومن سنوات الخدمة مادة للتاريخ والأدب والأنتروبولوجيا.
وعلى هذا الأساس فهو لا يكتب سيرته وحدها بل يسجل من خلالها جانبا من سيرة الإدارة الموريتانية والمجتمعات التي عرفها عن قرب.
وتزداد هذه التجربة طرافة بما تنطوي عليه شخصية صاحبها من مفارقة عجيبة فالإدارة قائمة على الحزم والصرامة والانضباط والتكتم، بينما يقوم الأدب على العفوية والبوح والطرافة والنشر، فالإداري يحرس حدود البيانات أما الأديب فيقدم المعلومات، والإداري يحفظ ما يجب أن يبقى في طي الكتمان، بينما ينتشل الأديب ما يجوز نشره من الضياع والنسيان.
غير أن هذين الوجهين لا يتعارضان في شخصية الأستاذ محمد فال بن عبداللطيف بل يتكاملان فقد استفاد من الإدارة دقة الملاحظة وحسن التقدير والقدرة على استنطاق الأشخاص والوقائع، ومنحه الأدب رشاقة العبارة وطرافة السرد وحرية استعادة الماضي. فتحول التحفظ الوظيفي بعد مرور الزمن إلى ذاكرة ناطقة، واستحال القرار الإداري الصارم إلى لقطات أدبية حية، وهنا تكمن جاذبية المشروع الفكري للأستاذ محمد فال بن عبد اللطيف، فالقلم الذي دون في الماضي المراسلات والمحاضر والقرارات، يرعف اليوم بالحديث عن الوجوه والأمكنة والذكريات، ويستخرج من صرامة الإدارة ظرافة الأدب.
خصصت يوم السبت الماضي لمطالعة كتاب إعدادية كبولاني الذي أهداني الأستاذ محمدفال نسخة منه مؤخرا، ورغم أن صفحات الكتاب لاتبلغ المائة إلا أن قراءتها أخذت مني وقتا، لأن قراءة ما يكتبه الأستاذ محمدفال تحتاج إلى وقت أطول مما يكتبه غيره، ويرجع ذلك إلى أن قراءة ما بين السطور أصعب من مطالعة السطور نفسها، فالكاتب حفظه الله ومتعنا به "ينتر من اظف" وتحضر خلفيته العلمية والثقافية بين ثنايا كتاباته، فعندما تعرض للمدن التي سماها المستعمر بأسماء بعض رجالاته وغيرت الحكومة الموريتانية أسماءها بعد الاستقلال ذكر أن المذرذرة ينطقها الفرنسيون بالدال بدل الذال ثم استشهد ببيت للمؤرخ الأديب المختار بن حامد يقول فيه:
أصبحت بالأمس لدى أندرا
وقبل ذاك بمدردرا
وعندما تعرض للأحداث التي جرت سنة 1966 عقب عزم الحكومة على تعزيز مكانة اللغة العربية، عبر عن وجهة نظر المعارضين لذلك القرار بقوله "فاللغة الفرنسية لاينبغي أن ينازعها منازع في هذه الربوع فشرطها في القطاع التعليمي أنه لاسابقة ولا لاحقة لها"
ولم يغب الأدب العذب عن كتاب إعدادية كبولاني فقد ضمن فيه الشيخ محمد فال قطعا شعرية جميلة وثق من خلالها بعض الأحداث،
من ذلك أبيات من الرجز كتبها بعد مناوشات حدثت خلال الإضراب:
جرت في الإضراب أمور وجرى
أن عظيم الرعب في الناس جرى
فنفر إلى الزحام حضرا
ونفر عن الزحان نفرا
وبعضهم قد آثر التأخرا
والمتأخر أتم نظرا
وقوله بعد ما تقرر إعطاؤه صفرا في مادة التاريخ بسبب تغيبه مع بعض زملائه في انيفرار لمدة عشرة أيام
لئن جعلوا صفرا لما جعلوا صفرا
لقائي من أهوى على ربوة عصرا
ولا جعلوا صفرا نسيما هنالكم
تنسمته قد كان ضاربه عشرا
ومنها أبياته السريعية التي خاطب بها زميله محمد محمود بن جدو بعدما حلق له رأسه
محمد محمود إن رمت ذا
مروءة سبل الكرام احتذى
من رضع الأمجاد في مهده
ومن ألبان المعالي اغتذى
فلتأته بهديك من خلقه
إليه ما فاح لها من شذى
كم أشعث الرأس ومغبره
عنه أماط ما به من أذى
ومن التعاليق الطريفة في الكتاب قول الأديب محمد فال إنه سأل أحد معارفه موصوف بالإطناب في الأمور عما إذا كان البعوض موجودا في روصو؟ فقال له لايوجد فيها بعوض وإنما هي جواميس تطير.
ومنها أن المراقب لمرابط بن أحمدو كان مكلفا بضبط الأقسام الداخلية وكان لا يتكلم إلا بالفصحى وحدث مرة أن سقط تلميذ من فوق السرير فأصابه الرعاف فأعد بذلك التقرير التالي:
إن الطفل فلان بن فلان من قسم كذا سقط البارحة من فوق سريريه فتدقدق خيشومه.
يعني أنفه وهي كلمة فصيحة قال الشماخ بن ضرار
متى ما يسف خيشومه فوق تلعة
مصاصة أعيار من الصيف ينشج
ومنها أن الإدارة استعانت ببعض الأعيان لتفشيل الإضراب وكان منهم القاضي أحمد سالم بن سيد محمد فلما رآه أحد قادة الإضراب يحاول إخراج محمدفال وزملاءه من هذه الدوامة نادى بأعلى صوته (وإن جاهداك على أن تشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعهما) فلم يزد القاضي على أن قال "وَوْ"
وهي كلمة مستعملة في الأدب العربي الفصيح بنفس المعنى قال أبو الحسن بن مهدي الشافعي:
هذا الزمان زمان سو
وجميع هذا الخلق بو
ذهب الكرام بأسرهم
فبقيت في ليت ولو
فإذا سألت عن الندى
فجوابهم عن ذاك وو
ومن الأشباه والنظائر التي جمعها الأستاذ محمد فال في كتابه مرور عدة رؤساء ساسوا البلد بإعدادية كبولاني وهم المصطفى بن محمد السالك، وأحمد بن بوسيف، ومحمد خونه بن هيداله ومعاوية بن سيد أحمد بن الطايع.
كما نوه الأستاذ محمد فال بالجهود التي بذلها الأستاذ الأديب المختار بن محمدا لتعزيز مكانة اللغة العربية في الإعدادية حيث أطلق عدة مبادرات منها تكليفه لتلاميذ الصف الرابع بإعداد دراسات أدبية عن شاعر موريتاني يختاره التلميذ، فأعد محمد فال دراسة حول الشاعر محمد بن أبنو الشقروي، وقام محمد سالم بن عبدالمومن بدراسة عن الأديب امحمد بن أحمديور كما كتب عبدالرحيم بن أحمد سالم دراسة عن الشعر أبي يكر بن محمذن بن أبي بكر الملقب بكن.
وفي الختام أتوجه بالشكر الجزيل لشيخنا محمد فال على هذه الهدية القيمة، سائلا المولى عز وجل أن يحفظه ويبقيه لنا ذخرا وفخرا.
وأهيب بالشباب أن يقتنوا كتاب إعدادية كبلاني من *مكتبة الكتب الإسلامية* أو*مكتبة القرنين*، ومطالعته في العطلة الصيفية فهو كتاب صغير الحجم غزير العلم يجمع بين الإفادة والطرافة ولاهو واعر ...
*يعقوب بن اليدالي*