د. إشيب ولد أباتي : هل ستتطابق النتائج لتحقيق أهداف الأمة العربية في الحصارين: حصار الفالوجة في حرب ٤٨، وحصار غزة في تجليات ''طوفان الأقصى'' الرائعة ؟

2024-01-20 12:45:59

    القراءة المتأنية تدعو لاستحضار هذه المقارنة من جهة النتائج  المتماثلة التي شكلت تحولات كبرى من جهة، وبما عبرت  عنه من  تجسيد  للرغبة الجامحة في تحقيق الهدف الغائي للأمة العربية   خلال التضحيات الجسيمة لطلائع الثوار العرب  في الأمس، واليوم في  مواجهة العدوان الصهيوني في كل حرب مع جيشه  الاحتلالي..

ويأتي في مقدمة هذه العوامل الضرورة التاريخية  لأمتنا في التعبير عن حضورها  المتوقع حين  ينفصل الوعي  عن الواقع - على حد تعبير  هيجل الفيلسوف الألماني  - العربي المقاوم الذي ينقل الأمة من  مهاوي  الخيانات  العظمى  المفرطة  بفلسطين عبر الانقلابات السياسية  الأمريكية، منذ انقلاب السادات سنة ١٩٧١م في مصر على نظام الثورة العربية  الذي كان قادته ضباطا من المتطوعين الذي   واجهوا العدوان الصهيوني في  حربي ٤٨، وحرب  الاستنزاف ، حرب الألف يوم..

 وما تلا تلك الانقلابات الإمريكية من اتفاقات  كانت غايتها القصوى،   القضاء على كل أمل في تحرير فلسطين، والأمة جمعاء  خلال التصدي للعدو الصهيوني في فلسطين أولا..

    لقد كان ثوار الأمة في حرب ٤٨، هم من المتطوعين  العرب داخل فلسطين، وخارجها  من مختلف الأقطار العربية..

 وكانت الأنظمة السياسية - خلافا لانظمة الخيانات العظمى اليوم - أكثر مخافة من ضمير الأمة وقواها الحية، لذلك  شرعنت  الوجود لنفسها  خلال تبنيها لمواجهة العدوان الصهيوني، واستجابت  لتضحيات  الشبيبة العربية  المقاتلة التي شكلت   فرقا مجاهدة، كان معتقدها السياسي موجها بمبدأ التحرير اولا لاستعادة حضور الأمة في التاريخ الحديث.. 

     ومن المفارقات  العجيبة  أن تلك الشبيبة، كان معظمها في الجيوش النظامية، كقادة  حركة الضباط الأحرار في مصر الذين واجهوا عدوا مسلحا بالعتاد،  والعدد، وبالمخططات السياسية للامبريالية الغربية التي، كانت تساند جيش الاحتلال  الصهيوني في فلسطين، كلما انهزم أمام المقاتلين العرب، ولذلك جاءت هدنة ٤٨ في إطار إيقاف الحرب، حتى يجهز الغرب الاحتلالي،  الميليشيات الصهيونية  بالسلاح ..!

وعلى الرغم من ذلك،  فقد صمد المتطوعون العرب الذين كان من قادتهم  الراحل جمال عبد الناصر- الذي تتذكره أمته العربية المخلصة لقادتها الأبطال في ذكرى ميلاده  السادس بعد المائة -   في حصار " الفالوجة".

 وإذا كان العدوان  في حرب ٤٨، عرف بالحرب التي طالت ، وتم إيقافها  بما سمي بالهدنة خلال  ستة أشهر،  فإنه  لم ينل من  إرادة القتال لدى قادة الجيش، وعلى رأسهم  جمال عبد الناصر، تلك الإرادة   التي عوضت عن النقص في السلاح ..

 وقد  كتب  الكثير من المؤرخين  عن  نقص  السلاح في تلك الحرب ، بل فساده  علاوة على سرقة الانتصارات المحققة، خلال توجيهات  مريبة، كان يقوم بها  القائد  العسكري  الانجليزي للجيش االعربي الأردني… !

 وكان من  اوجه المقارنة  التدخل الغربي الامبريالي  السافر يومها، كالهدنة العسكرية، واستبدالها بإيقاف الحرب الذي رفضه الصهاينة،  والغرب  بقيادة الأمم المتحدة الضالعة في مساندة الصهاينة ،،  كما هو الحاصل  الآن في العدوان  الإجرامي الذي يقوم  به جيش الاحتلال الصهيوني   بالإبادة الجماعية للعزل من الأطفال، والنساء، والمدنيين في  مدينة غزة في حصار إجرامي..

     وخلال حرب  ٤٨ ، ظهرت  مهازل الأنظمة  السياسية العربية كما هو حال نظراتها  اليوم، الأمر الذي جعل  قادة الوعي القومي  بقيادة جمال عبد الناصر الذي عبر عن رفض الهزيمة، والخذلان العربي ، لذلك استخلص العبرة من تلك الحرب  في " إن تحرير فلسطين، يبدأ بتحرير القاهرة "، وهي الفكرة التي جسدت نضال الأمة  بعد ثورة ٢٣ من يوليو  خلال ١٨ عاما، كما جابهت  العدوان الثلاثي سنة ١٩٥٦ الذي قادته الإمبريالية الفرنسية، والانجليزية جنبا إلى جنب مع الكيان الصهيوني، وحققت بها الوحدة العربية  لصد العدوان الصهيوني  عن سورية، وصمدت  أمام النتائج المدمرة  لحرب  ١٩٦٧م. وهي الحرب  التي  أظهرت  تحالف  الامبريالية الامريكية   مع الصهاينة، علاوة على الدور التخريبي للدبلوماسية الانجليزية  في مصر، حين استطاعت، أن تؤلب  قادة القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها وفي المقدمة منها قيادة المشايخ الذين تبنوا  ظاهريا مشروع الإحياء الديني، والتربية، والاصلاح الأسرى الذي  وظفوه لنيل تعاطف  العامة  معهم في الشارع العربي  المصري، ولكن ما لبثت  تلك القيادة المرجفة  ان خلطت بين الدعوة الوعظية، الاستجابة لإغراءات السفارة الانجليزية ، واستبدلت مواجهة تحديات عصر الاستعمار، بمواجهة عصر الاستقلال، وسقطت  مختلف " الاحزاب  المستهلكة" - على حد تعبير الراحل محمد عودة  -  في صراع كان المستفيد الأول منه  قوى الاحتلال الصهيوني، والغربي على حد سواء،

 وكان يقابل تلك المواقف التي اجهضت نضال الأمة في مواجهة العدو، هو  ما تقوم به اليوم  قيادات النظام السياسي القطري التابع بكل صلافة  للصهيونية الأمريكية…!

ولا أدل على الانحراف عن البوصلة  لدى أصحاب الوعي الارتدادي  الذي،  يعتبر عن عينة  لمظاهر   التخلف  السياسي، والاجتماعي، والثقافي الذي عبر عنه  دعاة "الإبراهيمية" المزعومة الذين، عقدوا  بإيعاز من نظامهم " الإماراتي " مؤتمرهم  الثاني   في الأسبوع الماضي في " انواكشوط " تحت عنوان  "مؤتمر  السلم في افريقيا"..

        إن  القائمين على مؤتمر  السلم الأفريقي الابراهيمي الخياني ، لم يكن باعتهم  منطلقا  تحرريا  للدفاع عن الثروات الافريقية المنهوبة من طرف  االأمبريالية الأمريكية، وعليلاتها - من الاعتلال -  الغربية، أحرى ان يجعلوا من مؤتمرهم  مناسبة لتصحيح أخطائهم السابقة  للابراهيمية المشبوهة،، لذلك لم  ينددوا  بالعدوان الصهيوني الظالم  على فلسطين طيلة مائة يوم - ١٠٠ - لأن  " السلام الإبراهيمي"، في اعتقادي التضليلي،  لا يتعلق بفلسطين وأهلها ، إلا أن يخضعوا لتوجيهات حاخامات "الابراهيمية"، بوجهها التصوفي  المعروف الذي، يحاول للمرة الثانية اختراق الوعي في أفريقيا بما يجترح من التزييف السياسي وبث سمومه  في النقاط الرخوة  لمجتمعاتنا العربية، والإفريقية معا..!

ولم يغب الدور التضليلي الانجليزي لدبلوماسييها في مواجهة الوعي العربي بالأمس، ومحاولة تغييبه تجنبا  للتجاوب مع قضايا الأمة اليوم،  فحين  بدأ العدوان الصهيوني على غزة، ومدن الضفة الغربية منذ طوفان الأقصى، كانت السفارة الإنجليزية اللعينة  في " نواكشوط " توزع اعلاناتها في وسائل التواصل الاجتماعي، من أجل  الدعاية الكاذبة  للتبرع بالمنح المجانية في الجامعات الانجليزية، وذلك بهدف بتحويل الاحتجاجات  المنددة بالعدوان  الصهيوني في فلسطين، إلى طوابير -  طلبا للمنح الدراسية -  على بوابة السفارة  الإنجليزية اللعينة ..! 

 

 ومن نتائج الحصار على الفالوجة،  أن تعاظم الرفض للهزيمة والسخط على الأنظمة السياسية الناشئة،  ولعب الفكر السياسي القومي دورا  كبيرا في  بلورة  الوعي  التحرري العربي  الذي وجه  حركات الاستقلال العربي، وبذلك  فسر الاعلام  المناوئ لطموحات الأمة في التحرر  الذي دمغ  الحركة القومية على أنها ردة  فعل وقتية  على دور الحركة الصهيونية العنصرية في إقامتها دويلة ،سيفرضها الغرب، كواقع  سيفرض  هو كذلك نفسه على أمتنا، ولا  يلبث الثوريون،  حتى  يستلموا لمعطياته،  وذلك  استباقا لوأد مشروع  النهضة العربية منذ القرن التاسع عشر الذي  توج بالثورات التي شكلت الواجهة الناصعة  في  تراث الأمة النضالي، ورصيده الحي   طالما بقي الاحتلال الغربي يخرج من الابواب، ويعود من النوافذ..!

 بينما يمكن النظر الى  النتائج الأولية للحرب العدوانية على غزة، وحصارها، الحكوم عليه بالفشل الذريع،  لانه هزم الصهاينة، والقوة العسكرية الأمريكية فيما بعد، وافشل  دبلوماسية  المكوكية، وتهافت دعاواها  الانحيازية  للصهيونية ..

 ويؤكد الانتصار المبين،  ارتفاع منسوب الموجات العاتية لطوفان الأقصى بما رفد به  من دافعية للسيارات  المقاومة  من اليمن المجاهد ، اليمن الذي لم  ينهزم في تاريخه القديم، والوسيط، والحديث، ولم يحتل  هاماته العربية الشامخة، علوج الغرب، وقراصنته..

 وفتج الجبهة على العدو من جنوب لبنان العظيم، وسورية، قلب العروبة النابض،  والرفض  رغم الجراحات النازفة .. لكل أنواع  الهزائم، والاستسلام، كما  رفدت تلك الجبهات الثلاث،   بالمقاومة العراقية الباسل  للنشامى البواسل..

     وهذه  أهم  المراكز التي أسست  لمقاومتنا  العربية التي ستقود معركة التحرير الذي تشكل   متغيرا قويا لاسقاط مشاريع الخيانات للهيمنة الأمريكية، وزوال قاعدتها الصهيونية، ووضع أسس ركينة لعصر  النهضة العربية  الحديثة  منذ طوفان الأقصى  الذي  احرك الراكد، والميت من الضمائر في مجتمعاتنا العربية ..

 ولن نغفل عن الحراك في  التظاهرة الأخيرة  مهما كانت المآخذ عليها من تقصير حتى الآن..وخاصة في  الأردن،  ومصر  العروبة،  وإن كان قد اثلج الصدر  مؤخرا  المظاهرات، وما عبرت عنه  شعاراتها  الجريئة التي كان  منها  " ما دام الدم العربي رخيص، فليسقط، يسقط  أي رئيس"، و " ها أحفاد مانديلا، بينما نحن في مذلا "، ونتمنى أن يتحرك الشارع العربي، ويهاجم سفارات  الغربي العدواني، ويضرب  مصالحه  واستثماراته...

إن النصر في فلسطين،  باعثه وضع حد للاحتلال الذي  راكم  التحديات الجائرة التي يمارسها قطعان  الصهاينة، ومن هنا كان رد الفعل المتناسب معها ، هو  طوفان الأقصى الذي لا تخفى  نتائجه  الأولية التي ستقضي على  زمن  الخذلان ، ورموز الخيانات  من رؤساء  أنظمة التبعية للصهيو - أمريكي .. 

وإن غدا لناظره قريب،  لأنه سيقتلع مجتمع الصهاينة، ويزعزع  عقائد الانهزاميين،  ويسقط الأنظمة، ويغير مظاهر " المحيط المقهور، والخليج المذلول"  على حد تعبير الكاتب القومي  المهندس سليم  البطاينة ..

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122