كتب النائب اسغير العتيق: النخب ... وفشل الخطاب

2022-09-26 08:44:01

 

          تتحدد الخيارات الإستراتيجية الموجهة لحياة الشعوب انطلاقًا من قوة وصدق ثم عمق وشمولية خطاب النخبة السياسية التي هي المرآة العاكسة لمختلف أوجه الحياة بما فيها الجانب الروحي للسكان ، ومع نمو الوعيي تزداد الضرورة بإزاحة الستار عن مستور الأوضاع الاجتماعية والفكرية التي شكلت العائق الرئيسي في وجه قيام الدولة الحاضنة ،

العناصر الاجتماعية الهامة والفاعلة غائبة أومغيبة ،متجاوزة ،أو مبتلعة حتى أضحت مفقودة المشاركة كعضو من المنظومة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للبلد هذه الوضعية غير المريحة - تفرض إعادة صياغة تشكل البنية الهيكلة السلمية غير المتوازنة الموروثة عن السلف،  

كان من واجب النخب تكييف خطابها وبرامجها السياسية مع معطيات المراحل المختلفة بصيغة قابلة للاستيعاب والتطبيق ضمانا لنمو وصيرورة المؤسسة الاجتماعية الوطنية، خصوصا أن الأمر يتعلق بواقع اجتماعي معقد لم يعد مقبولًا !؛ لا شكلا ولا مضمونا  نتيجة لحركة الشعوب الفكرية والعلمية ومواكبتها لتطور التكنولوجيا المتجاوزة لنماذج البناءات الفوقية، التي شكلت مرحلة أساسية في العهود الظلامية من حياة المجتمع المحافظ العصي  على التحديث والتجديد •

كثيرا ما تلجأ النخب المتحكمة في مفاصيل السلطة سعيها منها لإقناع الرأي العام برفع شعار محاربة الفساد وباصدار القوانين المعاقبة للجرائم الاقتصادية  والمبالغة في الحديث عن العدالة ،الحرية...والحقيقة انها  مدخلات لا يؤخذ منها إلا ما يتفق مع البناء الأيديولوجي الذي يؤمن لهم الموروثات•

إن انحسار الخطاب السياسي للنخبة وتفسخه من طابع الشمولية وتركيزه على مواضيع بعينها يحد المساحة الاستيعابية له و يفسح المجال امام خيارات ليست حلوة المذاق  ليظهر الخطاب إما فئويا أو شرائحيا أو قبليا أو قوميا ••• لم تكن هذه النخب المتأثرة بالثقافة والحضارة الغربية المدنية ،تؤمن بالديموقراطية في السلوك والممارسة التي تكرس احترام كرامة الإنسان مع استفاء حقه في دولة كان من المفروض آن تكون قد تشبعت شرايين مؤسساتها العمومية والخصوصية بروح القانون والمواطنة و المهنية والإحساس بالمسؤولية العامة  ... 

 طموح إذن سيولد  ردة فعل من نخبة بدت طلائعها في طور النشأة والتكوين ثائرة  متمردة على  واقع الحرمان والإقصاء وسوء التسيير وانتشار الفساد وانسداد الأفق فالفضاء تشبع لحد الكفاية بالضجيج والأصوات المعبرة عن الاستياء ،قد لا تكون هذه النخبة متوفرة اليوم لكنها بالآلاف غدا وليس غدا ببعيد ،لقد بدأت ملامحها فعلا في نفر ليس بكثير. 

         إن الرباعي المشئوم الفقر ،البطالة،الإحباط و اليأس يدفع الفئة النشطة في المجتمع  التي تئن تحت ضغوطه إلى ارتكاب الجرائم الاقتصادية والاجتماعية والعمل والعمالة لشبكات الاستخبارات الدولية و الانخراط والتنسيق  مع عصابات  بث الرعب الإجرامية الدولية، التي تستخدم الممنوع والمحظور من أجل الكسب والحصول على لقمة العيش، كما هو للأسف حال اغلب دول العالم العربي التي أصبحت مسرحا وساحة  لتجريب وتهريب الأسلحة وتدريب الجيوش الغربية . 

          حسب المعطيات التي تحدد حركية الشعوب نحو الأفضل، ينافس مجتمعنا على الإنفراد بالرتبة الأولى عالميا في إعادة إنتاج التخلف ،لأنه وبكل بساطة مجتمع يكاد يكون لا يتغير للأحسن، بل للأسوأ يتجه ويقترب الساعة بعد الأخرى ،لا تؤثر فيه إيقاعات الحياة الاجتماعية المتحركة المتجددة دوما ولا إفرازات الشعوب ولا اكراهات المتغيرات العالمية والعلمية، فهو مجتمع ثابت ، استاتيكي الحركة ، لا يستجيب لحتمية حركة التاريخ ،عصي على تطور الفكر والنمو، بطيء الاستجابة في التعامل مع مستجدات العصر.

        إن الآثار السلبية التي تمخضت عن الاتجاهات العقائدية العميقة ساعدت إلى حد كبير في تمايز المجتمع العربي الموريتاني، أكثر فأكثر في فترة عنفوان الثورة العلمية وشمولية العولمة وتجاوزها للحدود الجغرافية واختصارها للمسافات ،في هذا المنعرج الخطير من حياة البشرية لا يحتاج فيه مجتمعنا لشيء أكثر إلحاحا من الخطاب الوحدوي الموحد، الذي لا يقصي فردا ولا جماعة، بل ينمي البعد الوطني والروح الاجتماعية والنظرة الشمولية واحترام الآخر بما في ذلك خصوصيته الثقافية  وحقه في الاختلاف.

       إن عدنا بالذاكرة قليلا و فرفرنا صفحات التاريخ القريب والبعيد نسبيا لتأكدنا  من عجز النخب منذ الاستقلال الممنوح 28نوفمبر1960عن إحداث التغييرات الايجابية الملموسة في  الواقع  الاجتماعي والسياسي للبلد ،تعددت الشعارات وتنوعت تبعا لخلفيات وأهداف الحركات السياسية النخبوية المناهضة للسلطة وسلوك مجتمع البداوة  المرتكز على البعد القبلي الضارب في القدم برمزيته وتقاليده وأعرافه الذي نشأت عليه  الدولة كركن أساسي وعملت الأنظمة المتعاقبة العسكرية وشبه المدنية على إعادة إحيائه ،مما شجع  وحفز الطبقات المنسية المحرومة والمقصية على الانتظام في التكتلات العرقية والانتماءات الفئوية والشرائحية  .

         تأثرت النخبة المنتظمة في الحركات الحركة الوطنية الديمقراطية الكادحين و الحركتين القوميتين الناصرية،البعثية بأساليب وثقافة و فلسفة النظام الاقصائي اللاديمقراطي القبلي أكثر من تأثيرها بعلوم ومعارف وثقافات المدارس التي تنتمي لها هذه الحركات وتؤمن بفكرها، وبالتالي اعتقد أن التجربة أثبتت أن هذه الحركات إن لم تكن رجعية فهي ليست تقدمية يقينا، لان بنيتها الهرمية لم تختلف عن السلمية الإقطاعية ، ولا يختلف رجال الدين ولا رواد الحركة الإسلامية بمختلف مذاهبها واتجاهاتها عن حقل ايديولوجية فلسفة الإقصاء بل إنهم الذراع الأساسي لتبرير وتهميش الطبقات المغلوبة على أمرها كالعبيد وغيرهم من الأتباع انطلاقا من إصدار الفتاوى باسم الدين وتمريرها لخدمة أهداف الطبقة الإقطاعية   ...

         إن  جوهرالخطاب السياسي النخبوي خارج عن سياق التجربة والمقارنة التاريخية التي عاشت المجتمعات بحيث يصعب استخلاص نمودج قابل للتطبيق ،نتيجة لعدم شموليته للجزئيات الخصوصية للفئات الأقل حظا ،لأنه  في الحقيقة يستمد روحه من ايديولوجية اقصائية متجذرة منذ قيام الدويلات القبلية في عهد السيبة في هذا المنكب البرزخي من المعمورة ،واليوم تبدوا الحاجة في إيجاد خطاب سياسي وطني  نموذجي يحافظ على  قيم الوحدة النقية الذاتية للمجتمع ويحقق الاندماج الفعلي  الذي تذوب فيه الانتماءات الضيقة وتنكسر على جدرانه افكار العصور الظلامية . 

        إن القوى السياسية الفاعلة في الساحة  الوطنية يجب ان تعترف  بعجزها وهشاشة تنظيماتها وضعف تكوينها وسهولة اختراقها من طرف الأنظمة الأحادية ، نخبة إذن لها ان تعترف بأخطائها  بفشلها في تكوين الأجيال، بعجزها عن تحقيق أهداف قيم الحرية والعدالة والديمقراطية  سواء كانت نخبا معارضة تحمل مشاريع إصلاحية  اجتماعية وديمقراطية أو تلك التي دافعت و تدافع عن السلط التسلطية الدكتاتورية التي تعاقبت على إدارة البلد  لخمس وخمسين سنة انطوت من الفشل الديمقراطي والمحاولات اليائسة استطاع خلالها النفوذ العسكري إسكات وإخضاع الصوت المدني بكل حركاته وتحركاته.

      في بداية العقد الثاني  من الألفية الثالثة بدأت الدولة تفقد جزء كبيرا من هيبتها ومشروعيتها عند طبقة عريضة من الشعب نتيجة لنشاط الحركات المطلبية من منظمات نقابية وحقوقية وأحزاب سياسية وأشخاص طبيعيين وحركات طلابية وفئوية وعرقية ترفع شعارات الشعور بالغبن والحرمان عندما عجزت ايديولوجيات التضليل والتطبيل عن تحقيق الاندماج المطلوب ،ارتفعت أصوات الرغبة في التغيير واتسعت دائرة استجابة الأفراد والجماعات لأملاءات العصر واكراهات  الفاصلة الزمنية آلتي هيجت استعداد الشعوب للتضحية في سبيل الديمقراطية  حتى ولو اقتض الأمر الخروج العلني وحمل السلاح ،كما هو حال معظم دول العالم اكرانيا،فنزويلا،سوريا،اليمن،ليبيا،مصر...

      فشلت النخب السياسية الوطنية إذن في إحداث التغيير وإبعاد النفوذ العسكري وفشلت الإحكام العسكرية في رسم ملامح  بناء دولة  ديمقراطية .

انتهى 

اسغير ولد العتيق