بين يدي (ماڪال طوبى)../ إكس إكرك
يقال إن السيدة "مريم محمد بُوصٌو"، وهي امرأة صالحة، زارت ضريح الشيخ العلامة أحمد للعاقل الديماني، ودعت الله أن يرزقها بطفل ذكر.
وقد وهبها الله طفلا، وسمّته أحمد، فقيل لها من هو أحمد ؟
فقالت أحمد امبمبَ، أي أحمد دفين امبمب، فغلب على الطفل الاسم، أحمد بمبَ.
أبوه، محمد بن حبيب الله، ينحدر من أسرة تكرورية، وقيل من موديات الشرفاء، انحدرت من فوتا، وانقسمت، فذهب جزء إلى جلف، هو سلف الشيخ، وانحدر الآخرون إلى المنتبذ القصي، وهم أهل "مودي نا اللّ".
ولد الشيخ أحمدو بمب، الملقب "بخديم الرسول" سنة 1854م فى مدينة امباكي باوول السينغالية.
لما بلغ سن التعليم، سلّمه أبوه، لخاله محمد محمد بوصو، ثم سلّمه الخال لخاله تفسيرو امباكي اندمب، شقيق جدة الشيخ، وكان يمكث عنده في "امباكي" في الصيف، وفي الخريف يكون في "جلف".
وتوفي تفسيرو وقد بلغ الشبخ "لتجدّن" .. فأكمل على والده، وكانو عند قرية "سالم".
ثم درس العربية على قاضي أمير القرية "مجخت كل"، وكان عالما بارعا في العربية والشعر، وكان يعرض عليه محاولاته الأولى.
وفي قرية "انجانج"، درس على عالم من أولاد ديمان، يسمّى محمد بن محمد الكريم الفاضلي، ويلقّب محمد اليدالي، وأخذ عنه علم البيان وعلم المنطق.
وكان أبوه عالما، وكان يطارحه، ونظم ورقات الإمام السنوسي، "أم البراهين"، وتلقاها والده بالقبول، ثم نظم "الأخضري" و "بداية الهداية" للإمام الغزالي.
وبعد ما تبحّر في كل العلوم، وتضلّع من كل الفنون، وأربى على معاصريه، وبعدما رأى والده ما فيه من العلم والمعرفة، وبعدما تفرّس فيه الولاية والصلاح، ولاّه جلّ أوقات التدريس، وفوّض إليه تعليم بعض الطلبة.
ولما رأى المستعمر الفرنسي رغبة الخلق فيه، وانثيالهم عليه، توجّسوا منه خيفة، فبدأوا يرسلون الجواسيس والعيون، ليكونوا على بيّنة من أمره.
وقد أبلغهم الجواسيس أن الشيخ يدعو للجهاد، على غرار الشيوخ المتقدمين مثل الإمام ناصر الدين، والحاج عمر الفوتي، والمامي عبد القادر وغيرهم.
وأنه في جمع العدّة والعدد لمهاجمتهم، واستئصال جذورهم .. فتم استدعائه من طرف الفرنسيين.
وبعد ما وصلوا إلى مدينة سان لوي، "اندر"، مركز السلطة ومحل التحكيم، وبعد رفع وخفض وختم وفض، استقر قرارهم على تغريبه، وأجمعوا على نفيه إلى "الغابون".
فلبث الشيخ في المنفى ثماني حجج إلا قليلا، من 1895 إلى 1902م. واضطروا إلى إرجاعه إلى بلاده، ورفعوا الحكم عنه.
إلا أنهم ما لبثو أن حكموا عليه ثانيا بالنفي إلى موريتانيا، فمكث فيها أربع سنوات من م 1903 إلى عام 1907.
ففي يوم الاثنين 19 ربيع الاول 1321 الموافق 15 يونيو 1903 تم استدعاؤه من طرف السلطات الفرنسية إلى "اندر"، فنفي إلى "دگانه"، فتوجه إليها على متن سفينة.
ومكث خمس ليال بدگانه، ثم أرسل الشيخ سيديَ بابَ، مستشاره "شيخُنا ولد داداه"، يطلبه، وقال للفرنسيين إن هذا الشيخ لا يخشى من جهته سوء.
فقالوا: أتضمنه لنا.
فقال: أضمنه.
فسار مع شيخُنا حتى وصلوا إلى بابَ، وهو إذ ذاك مقيم على تخوم إيگيدي.
وكان مخيّم باب لايستقر في مكان واحد، بل يجوب منتجعات الگبلة طلبا للكلأ، وهو أمر لم يعتده الشيخ أحمدو بمب، فشق عليه، فأستأذنهم للرجوع، فأبوا، حرصا على مصاحبته، وللعلة الأولى، وهي وصاة الحكومة.
إلا أن الشيخ صمّم، وهم يعلمون صدقه، فأذنوا له، فباسطهم بالبيت القديم مع تحوير قليل:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا :: ولكن لاخيار مع (الحشيش)
مشيرا لتنسمهم مواطن الكلأ.
وقد لقي الحفاوة من بني ديمان، ومنهم أبناء بيدح عبدالله، وإخوته عند بئر "الصرصارة" وفيهم يقول:
حمدي وشكري لمن كلي به صارا :: له رضى دون سخط عند صرصارا
له ثنائي ورضواني بلا سخط :: مذ قاد لي من بني ديمان أنصارا
لله كلي لدى آبار مكرمة :: منها ارتحلنا وفيها جم من زارا
إن الذين إلى صرصار قد قصدوا :: زيارتي فارقوا دارين أوزارا
وكانت فترته فى المنتبذ القصي ثرية، حيث تواصل مع العلماء والأعيان، فأتاه الناس من كل حدب، ومدحه الشعراء، وتواصل مع علماء بني ديمان، وعلماء إدابلحسن، وأسرة أهل الشيخ سيديا، وعلماء الزوايا.
ومدحه الشيخ سيديّ بابَ بقصائد وقطع، منها قوله ..
الشيخ أحمدُ نعمة أولاها :: هذى الخلائق كلها مولاها
وقوله
إنما الشيخ نعمة أنعم الله بها آية من الآيات
ومدحه العلامة الشاعر محمد الأمين ولد الشيخ المعلوم البصادي، بقوله:
إِليــكَ وإِلا فالنجـائبُ فـي تعـب :: خــديمَ الـذي حلَّـى بحُلّتـه كَعَـب
علـوتَ الـورى كعبـا وحَجّوك كعبةً :: فمـن كـل وادٍ ينسـلون ومـن حدب
فللحج ميقـــاتٌ وحجّــك دائمٌ :: وليـس إلـى شـهري جُمادَى ولا رجب
قطعتُ إليكَ البحر والبحر أنتَ هُو :: وقاطع بحر نحو بحر من العجب
وَجُبتُ من المومات ما اعتيد قطعُه :: ودونـك مومـات النجـائب لم تجب
استحسن الشيخ أحمدو بمبَ الأبيات وقال: سبحان الله، رب رجل بألف، سبحان من ألهمك هذا.
وعندما قال:
قطعتُ إليك البحر والبحر أنتَ هُو :: وقاطع بحر نحو بحر من العجب
قال الشيخ أحمدو بمبَ: وأنت ثالث البحور.
وزاره بابَ ولد حمدي الحاجي، وظل وبات معه في قبة واحدة، وقال باب إنه مكّن الشيخ الزائر من السر، وربما يكون سر الطريقة الشاذلية، لأن بابا بن حمدي كان شاذليا.
ومما يروى، أن زيارة الشيخ أحمدو بمب لبابَ ولد حمدي، كانت في يوم قائظ، فمذق له بابَ لبنا جيدا بماء بارد وسكر، وكان هذا في زمن تضييق الشيخ على نفسه
فقال له: اشرب.
قال: ماكنت أشرب مثل هذا
قال: لماذا ؟ أيضرك من جهة الطب، أم تركته لله مجاهدا لنفسك؟
فقال: نعم، تركته لله.
قال اشرب إذنولم يزل به حتى شرب.
بعد ذلك سئل باب، لِمَ أكرهت الشيخ على الشرب، وماكان يفعل ؟!
قال: لأنه لايريد إلا مخالفة نفسه وإيلامها في الله، حتى صارت تلك عادته، فلم أر شيئا أشد عليه من خرق عادته هذه لله، فعاملته بها، ولكن يبارك له فيها، فإنه يصير بعد أقوى مما كان.
وبعد ذلك بفترة، جاء أحمد ولد باب ولد حمدي إلى الشيخ أحمدو بمب في "انجاريم"، ففرح به الشيخ غاية، وطفق يبالغ في إكرامه، إطعاما وإسقاء ..
فلما وصل من الأشربة إلى "أتاي" .. علم رفيق أحمد، ويدعى "كادي" أنه سيكون أمر جلل، لأن أحمد لايشرب الشاي، ولا يقدر على مخالفة الشيخ، لهيبته، ولحق الضيافة.
فلما همّ الشيخ بمدّ الكأس لأحمد،قال "كادي": إن أحمد لا يشرب "أتاي" ..
فقال الشيخ: يا أحمد، ما بالك؟ أيضرك من جهة الطب، أم تركته لله مجاهدا لنفسك؟
فقال أحمد: نعم تركته لله.
قال: اشرب إذن.
فلما شرب أحمد، ضحك الشيخ، وقال هذه بتلك، فإن والدك فعل بي ما فعلت بك.
وأثناء وجوده مع آل الشيخ سيديا، وجه مهندس التوغل الفرنسي "كزافييه كبولاني" سؤاله المعروف:
عن حكم جهاد المسلمين للنصارى في هذا الزمان هل هو جائز أم لا؟
لأن النصارى لا يتعرضون لهم في دينهم مع قوتهم وضعف المسلمين؟.
وقد أجابه الشيخ باب ولد الشيخ سيدي بما أجابه، وسلم الجواب الشيخ سعد بوه، وقال الشيخ باب حين سلم الشيخ سعد بوه ماكتبه:
إن هذا التسليم يا ناظريه :: أحسن الشيخ فيه سعد أبيه
بان فى نثره الصواب وأما :: نظمه فالبيان قد بان فيه
حاسديه رويدكم قد تعبتم :: قصروا عن مداه يا حاسديه
من يكن من بنى النبي انتسابا :: واتباعا فإنه من بنيه
وانتقاص تشبيه غير شبيه :: فى العلا كلها بغير شبيه
وعرض الشيخان الجواب على الشيخ أحمدو بمب يريدان تسليمه فكتب ما نصه:
"ما كتبه الشيخان متوجه إلي الأولياء والعلماء الذين يكابدون غيرهم، وأما كاتب هذه الحروف جعله الله تعالي باب السعادة والبشارة والمعروف فلم يتوجه إليه شيء من هذا لأنه فرغ من فتن الدنيا والآخرة عام (كسش)، فلولا فراغه من فتن الدنيا والآخرة لأتى بجواب ثالث ولكنه صار ممن قيل فيهم "بل أحياء عند ربهم يرزقون".
كتبه قائله أحمد بن محمد بن حبيب الله عصمه الله تعالي وكان له وتولاه ".
في ليلة المولد 12 ربيع الاول 1325 الموافق 25 ابريل 1907. قرّر الفرنسيون إرجاعه الى وطنه، ونقلوه إلى قرية منعزلة اسمها "جييين"، ومنعوه من مقابلة أكثر من ستة أشخاص يوميا.
ولم ينتهوا منه، بل أقاموه أخيرا إقامة جبرية في مدينة "جربل"، إلى أن أسلم الروح لبارئها سنة 1927.
يقول العلامة المختار ولد المحبوبي اليدالي رحمه الله مؤرخا لوفاته:
وعام (وم) صار نحو القبر :: ذو المكرمات والتقى والصبر
والعلم والحلم والاتباع :: والاطلاع مع طول الباع
عنيتُ أحمد الخديم الأسنى :: نال من الله خصالا حسنى
فُتح من غيب إليه بابُ :: وحُمّلت من مدحه الركاب
وزاره الملوك والقضاة :: ورجعوا ولهمُ مرضاة
كم من جلائلَ له أعطاها :: يحسده حاتمُ لو رآها
كامل الود