قراءة في كتاب زمن العبور الهادئ../ محمد فال عبد اللطيف
لا أدري ما ذا كانت ستكون مجريات الفترة الانتقالية في موريتانيا بعد انقلاب 2005، لو لم يوفق الله تعالى العقيد إعل ولد محمد فال رحمه الله لتعيين السيد سيد محمد ولد بوبكر مشرفا على حكومة الفترة الانتقالية.
ومع أني لا أنكر ما عود الله تعالى هذا الشعب الكريم من لطف يرافقه حتى في الأزمات والظروف الصعبة التي يمر بها - فإني مع ذلك- أجزم أن تعيين السيد سيد محمد كان حاسما في تحقيق النجاح الباهر الذي أجمع عليه البر والفاجر والقريب والبعيد.
إن تسيير الفترة الانتقالية هو من الصعوبة بمكان والشواهد في الدول الإفريقية شاهدة على ذلك لأنها تتنزل في عالم انخرمت فيه القواعد وتزلزلت الثوابت التي كانت غالبا تتحكم في العلاقة بين الشعب والدولة، وبين مكونات الشعب وبين الدولة ونظيراتها في الخارج.
سيد محمد ولد بوبكر هذا الرجل غني عن التعريف، لا يسأل عن كفاءته العلمية ولا عن كفايته الفنية ولا عن تجربته الغنية ولا عن أخلاقه الزكية.
ولقد تعرفت عليه صدفة أثناء سفر جمعني وإياه من مدينة النعمة بعد انقلاب العاشر من يوليو، وأنا يومئذ الوالي المساعد لولاية الحوض الشرقي فتوقفنا في مدينة تنبدغة ومعنا جماعة من الطلاب، فوقع بينهم خلاف حول قانونية انقلاب العاشر من يوليو فقال لهم سيد محمد: لا تتعبوا أنفسكم فكل شيء يمكن أن يوصف به الانقلاب إلا الصفة القانونية. قالها مصرحا جهرة، وكان الإعلان بمثل هذا القول في ذلك الزمان في ذلك المكان يحتاج إلى كثير من الشجاعة، وهذه الكلمة توحي بما بعدها.
وقد ألف السيد سيد محمد ولد ببكر مؤخرا كتابا حول الانتقال الديمقراطي في موريتانيا وتفضل مشكورا بإهداء نسخة منه إلي ولعلي كنت أول من حصل على هذا الكتاب، كتاب صدر باللغتين، نسخة باللغة الفرنسية يغار منها الكاتب شاتو بربيانه، وألفونس دودييه ونسخة بلسان عربي مبين، بأسلوب يذكرني بالخطابات التي كان هو يلقيها سنويا أمام البرلمان أيام إذ كان وزيرنا الأول ، وهي خطابات تمتاز بالموضوعية والبعد عن الإسفاف والتركيز على الأهم والمهم بخطاب يخاطب المستمعين حسب مستوياتهم وقدراتهم الاستيعابية، لأمور الدولة والقانون والاقتصاد والمالية ونحو ذلك.
وقد تعرض في هذا الكتاب لجملة من المحاور كلها تصب في شرح العملية الانتقالية والتعرض لجميع الإكراهات المحيطة بها وهي جمة، والترسانة القانونية التي تنظم جميع العملية من أساسها.
وقع الانقلاب وأنا إذ ذاك في البادية في حاضرتنا انيفرار فبعث إليه الوزير الأول أن التحق به على جناح السرعة في مكتبه في مبنى الحكومة القديم، فلما دخلنا عليه وتبادلنا عبارات الترحيب والمجاملة قال لي بالحرف الواحد لقد حدث ما سمعت وأرجو أن يكون فيه الخير إن شاء الله وأطلب منك أن تعد لي لائحة بأسماء الأشخاص الذين يمكنهم أن ينفعونا فيما نحن بصدده من الإصلاح والسداد، فتغيبت عنه فلما كان من الغد جئته بلائحة من الأشخاص أرى أنهم موفون بهذا الشرط، فلما نظر إليها قال: هذه اللائحة جيدة ولكن فيها عيبا وهو خلوها من نوع معين من الناس، فقلت له السيد الوزير الأول إن المرء لا ينفق إلا مما عنده، وإن لي أسوة بالإمام مالك بن أنس رحمه الله وقد ثبت أنه لم يجلس قط سفيها ولو سئل مالك أن يقدم لائحة فإن تلك اللائحة لن يكون فيها سفيه.
ولعل أصعب ما لاقته حكومة الانتقال جملة من الإكراهات لعل أهمها ما ورثته من أحوال غير منضبطة وبعضها خارج عن الجادة، فضلا عن التجاذبات السياسية بين مختلف الأطراف الذين لا يرضون بحكم يفصل بينهم، كل حزب بما لديهم فرحون.
ومن هذه الإكراهات أيضا تلك المعلومات المغلوطة التي كانت تقدم للمؤسسات النقدية وقد شبه بعض الظرفاء تلك البيانات بما يذكره أهل علم الأوفاق والجداول من أنها إذا أدخلت فيها معلومة غير صحيحة فيكون ضرها أقرب من نفعها.
ولقد نجحت الحكومة تحت تأطير ورقابة الوزير الأول سيد محمد في تصحيح هذه البيانات وهو شيء من الصعوبة بمكان إذ لا ينجح فيه إلا الجهبذ الخبير الذي عرك الحياة وقتل القواعد المالية والنقدية علما.
ولقيت في هذا الكتاب مميزة كنت أعرفها في أسلوب السيد سيد محمد وهي الصدق والموضوعية، أتذكر وأننا نحن إذ ذاك أعضاء في ديوانه تعرض لنا مشكلة التوفيق بين الصدق وما تقتضيه أخلاق المهنة من تدوير الزوايا، فكنا إذا عرض لنا شيء من ذلك نقول له إن التشخيصات إذا أظهرت سلبيات لا يمكن غض الطرف عنها فلا بد من أخذ أحد الخيارين: إما تجاهلها بحيث لا ندعي أننا أصلحناها، وإما أن نعترف بها ونحاول إصلاحها بأسلوب لبق، فنحن ما جئنا إلى الديوان على إثر ثورة أو انقلاب وإنما نحن أجزاء من النظام ولا يجوز لنا إظهار سيئاته التي ربما يكون مغفولا عنها.
إنني أدعو المثقفين والموظفين إلى قراءة كتاب السيد سيد محمد ولد ببكر حول التجربة الانتقالية التي قادها بكفاءة وإخلاص فإن فيها لفائدة لمن له ولع بهذه الآلية التي تسمى الديمقراطية والتي لم يوجد حتى الآن نظام أحسن منها.
محمد فال بن عبد اللطيف