ذات ليلة كان المختلس يبتسم كما لو أن العالم قد انحنى له أخيرا، يمشي بخفة المنتصر، يربّت على جيوبه وحساباته الملأى باعتزاز، يتأمل الوجوه العابرة «لأهل لخيام» بعين فيها ملمح من الزهو، ومسحة خفيفة من السخرية، لم يكن يرى في فعلته جريمة وطنية مكتملة الأركان، بل نوعا «خبيثا» من الشطارة و «اتفڰريش»: دهاء استطاع به ان يقتنص ما عجز عنه الآخرون الى الغنيمة، وكان كلما تذكر كيف مرت الحبكة دون انكشاف شعر بنشوة دافئة تتسلل الى صدره كأن اللذة الحقيقية ليست في المال، بل في معجزة الإفلات.
وفي الجهة الأخرى من "لفريڰ" لم يكن ثمة مغبون واحد يمكن الإشارة اليه بالإصبع إذ كانت الخسارة موزعة على وجوه كثيرة لا تعلم حتى انها سُرقت، لقد وُزعت على مدارس تتآكل جدرانها، ومستشفى يئن من العجز، وطريق مهمل، وموظف يطارد راتبا لا يكفيه، وأحلام صغيرة تتأخر كل يوم لأن يدا خفية آثمة قررت ان تجني على الوطن.
اختلاس المال العام لا يسرق خزينة صامته فحسب، بل يسرق اعمار الناس في الخفاء، ويحوِّل معاناة المجتمع الى ثمن لنشوة فرد ظن أن أحدا لن يشعر بما فعل.
كم يبدو العالم قاسيا حين تتحول حاجات الناس الى وسيلة لترف الفاسدين، الجاني لا يسمع أنين المدن المتعبة وهو يعُد مكاسبه، ولا يرى وجوه البسطاء الذين سيدفعون الثمن على هيئة نقص دائم في حياتهم، نقص في العلاج، والتعليم، والكرامة، وحتى في الأمل. غير أن اللذات التي تُبنى فوق أوجاع الشعوب لا تعيش طويلا، فثمة لحظة صامتة متأخرة دائما، يعود فيها الإنسان الى نفسه مجردا من الضجيج، والمال، والإنتصارات الصغيرة فيرى صورته الحقيقية بلا زينة، وهناك فقط تبدأ الأسئلة الثقيلة بالتكاثر: ما ذا ربحت حقا؟ كم حُلما أفسدت لكي تَشعر بهذه النشوة القصيرة؟ ربما لهذا لا يكون الوطن هو الخاسر الأخير دائما، فالأوطان مهما أرهقتها السرقات قادرة على النهوض حين تستعيد وعيها، وتعيد تمييز معتوهيها، اما الجاني فإن أخطر ما يختلسه ليس المال العام وحده، بل ما سيَسَّاقط من عزته كل مرة وهو يُبرر قبح فعلته، وهكذا تنطفئ نشوته سريعا، بينما تبقى حسرة الأوطان طويلة الظل مريرة المعاناة...
........
كان الله في عون بلدنا العزيز
والى لقاء