مقابلة خاصة مع آق الشريف تؤسس للقضية الأزوادية سياسيا وقانونيا

2026-05-11 15:50:55

في ظل تعتيم إعلامي منقطع النظير، رغم كل التحولات الجوسيايية التي تعصف بأزواد والساحل عموما، يطل علينا السيد بلال أڨ الشريف بخطاب يتجاوز حدود المواجهة العسكرية ليؤسس لشرعية سياسية ودولية جديدة للقضية الأزوادية. خطابا يطرح رؤية استراتيجية ناضجة توازن بين التمسك بالثوابت الوطنية وبين البراغماتية التي تفرضها تعقيدات الميدان. 

وهنا استعراض بسيط لتجليات هذا النضج والتوازن: 

01)- تأصيل الشرعية التاريخية كفعل تحرري ضد الإرث الاستعماري (01:40 - 03:07):

يستهل السيد بلال آغ الشريف خطابه بتفكيك الرواية الرسمية لدويلة مالي، معيدا الصراع إلى جذره البنيوي المتمثل في "الخطيئة الجغرافية" التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي بتجاهله للكيانات السياسية والسلطنات التي كانت تحكم إقليم أزواد قبل دمجها قسرا في كيان هجين عام 1960. ومن منظور سياسي، فإن هذا الاستحضار التاريخي لا يعمل كنوع من النوستالجيا، بل كأداة قانونية لنزع صفة "التمرد" عن الحراك الأزوادي وتحويله إلى "حركة تحرر وطني" شرعية تخوض نضالا مستمرا منذ سبعة عقود؛ وهي رسالة للمجتمع الدولي بأن الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة لتجاهل وثائق تاريخية قدمها 300 من وجهاء الإقليم للجنرال ديغول، بأن لا شيء يجمعنا مع مالي، مما يجعل المقاومة الحالية استكمالا لمسار تقرير المصير المتعثر.

 

02)- البراغماتية السياسية والموازنة بين الحق المطلق والممكن السياسي (07:39 - 08:53):

في قراءة ذكية لرمزية "العلم الأزوادي" المرفرف خلفه، يطرح الشريف معادلة تجمع بين أصالة الطموح القومي في الاستقلال وبين المرونة السياسية التي تفرضها موازين القوى الدولية. فهو يصف الاستقلال بأنه "طموح مشروع وليس كفرا بالمواثيق الدولية"، لكنه في الوقت ذاته يبدي انفتاحا كاملا على أي حلول تضمن "تسيير الأزواديين لأنفسهم" في إطار هيكل توافقي. هذا الخطاب يعكس نضجا سياسيا يتجاوز الشعارات الراديكالية؛ إذ يقدم الحركة كطرف "واقعي" مستعد للحوار، محولا عبء الفشل السياسي إلى سلطة باماكو التي "مزقت كافة الأوراق وحرقت العهود"، مما يمنح الجبهة تفويضا أخلاقيا للمضي في خياراتها السيادية أمام انسداد أفق الحلول السلمية.

03)- إعادة صياغة الهوية: من "العلمانية المستوردة" إلى "الأصالة الاجتماعية" (15:15 - 16:12):

يمثل تصحيح المفاهيم حول "علمانية الحركة" نقطة تحول استراتيجية في الخطاب الموجه للداخل والخارج معا؛ إذ يؤكد أڨ الشريف أن المجتمع الأزوادي مسلم بالفطرة ووسطي طالما عرف بتسامحه، وأن الجبهة تلتزم بـ " بفتاوى علماء أزواد"، وجدير بالذكر أن لها هيئة إفتاء رسمية محلية تتبنى الوسطية منهجا في بيان تأسيسها وهي " رابطة علماء أزواد".  وسياسياً، يهدف هذا التصريح إلى سحب ورقة "الشرعية الدينية" من التنظيمات المتطرفة وتجسير الهوة مع الحاضنة الشعبية المتدينة بطبعها. هي محاولة جادة لـ "توطين" الخطاب السياسي وجعله نابعا من الهوية الثقافية للإقليم، مما يحصن الجبهة ضد اتهامات التغريب من جهة، ويمنع التنظيمات العابرة للحدود من اختراق النسيج الاجتماعي بدعاوى دينية من جهة أخرى.

04)- تسييس الضرورة العسكرية ومفهوم الدفاع العضوي عن الأرض (13:46 - 14:53):

عند ملامسته لملف التنسيق الميداني مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، ينتقل أڨ الشريف إلى لغة "الضرورة الوجودية"؛ ففي ظل صمت دولي وإقليمي مطبق أمام زحف مرتزقة "فاغنر"، يبرر هذا التواجد كحالة "دفاع مشترك" يمليها وجود عدو يستهدف الجميع بلا تمييز. القراءة السياسية هنا تكمن في قدرة الجبهة على إدارة التناقضات؛ فهي لا تندمج أيديولوجياً مع الجماعات المتطرفة، بل تسعى لـ "تبيئة" الصراع ودفعه نحو "المنهج المحلي" الذي يخدم تطلعات الإقليم، مستدلا بكون شريحة كبيرة من جبهة النصرة تدعوا إلى تبني مشروع محلي. هذا التوصيف يحول الجبهة إلى فاعل "راشد" يتحرك ضمن غريزة البقاء الوطني، محملا المجتمع الدولي مسؤولية هذا الاضطرار بعد أن تُرك الأزواديون "لمصيرهم" أمام المسيرات والقتل الممنهج.

05)- استراتيجية شيطنة الخصم وعزل نظام باماكو دوليا (04:42 - 05:22):

ينجح الشريف في إعادة تعريف "الإرهاب" ميدانيا، عبر وصم السلطة الحاكمة في باماكو بممارسة "إرهاب الدولة" من خلال تحالفها مع مرتزقة "فاغنر" المجرمين دوليا. إن الإشارة إلى حرق الوديان وقتل المدنيين الهاربين  تهدف إلى تجريد النظام المالي من أهليته السياسية، وتقديمه ككيان غير شرعي يقتات على دماء شعبه. هذه السردية تضع الحركات الأزوادية في موقع "الحامي الأخلاقي" للمدنيين، وتبرر عملياتها العسكرية كفعل "تطهير" للأرض من احتلال المرتزقة، مما يسهل عملية حشد الرأي العام الحقوقي والإقليمي لصالح القضية. وتكمن عبقريته في قلب السيد بلال للطاولة على الطغمة الحاكمة في مالي، فبدل أن يحاول تبرئة جبهة تحرير أزواد من تهمة الإرهاب، بل قفز مباشرة إلى إثبات وبرهنة إرهاب حكومة مالي بالدليل والحجة.

06)-  لغة القوة الاستراتيجية وتحطيم أسطورة "الحسم العسكري" (18:41 - 19:50):

ينتقل السيد بلال أڨ الشريف في جزء من حديثه إلى بُعد ميداني مشبع بالدلالات السياسية، حين يؤكد أن "الهدف العسكري المباشر هو إقليم أزواد"، لكنه في الوقت ذاته لا يستبعد "التحرك نحو باماكو" لمواجهة طغيان السلطة الحاكمة. هذه المناورة الكلامية تمثل تحولا في العقيدة القتالية للجبهة؛ فمن منظور متابع ومتضامن مع القضية الأزوادية، لم تعد القضية مجرد دفاع عن القرى النائية والبدو الرحل، بل أصبحت "إرادة سياسية" قادرة على تهديد مركز القرار في باماكو. إن الإشارة إلى امتلاك الجبهة لمنظومة "المسيرات" والقدرة على إدارة معارك بحجم كيدال و ڨاو، يهدف لكسر الغطرسة العسكرية للنظام المالي، وإرسال رسالة حازمة بأن الرهان على "فاغنر" هو رهان خاسر أمام شعب يمتلك الأرض والتقنية والإرادة.

07)- إدارة المصالح الجيوسياسية والعرض السيادي للقوى الكبرى (26:21 - 27:13):

في ختام المقابلة، يقدم الشريف نفسه كرجل دولة قادر على التحدث بلغة المصالح الدولية، مخاطبا روسيا والصين والغرب بلغة "الند للند". إن تأكيده على احترام "المصالح الاقتصادية والمخاوف الأمنية" للجميع هو عرض سياسي بالغ الأهمية؛ فهو يطرح أزواد كـ "ضامن للاستقرار" في منطقة الساحل مقابل الاعتراف بحقوق شعبه. هذا الخطاب يسعى لفك الارتباط بين روسيا ونظام باماكو، عبر إفهام موسكو أن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية يمكن حمايتها عبر التفاهم مع أصحاب الأرض الحقيقيين لا عبر المرتزقة. هي قراءة "برغماتية" بامتياز، تخرج القضية من عنق الزجاجة المحلي إلى فضاء التوازنات الدولية، حيث يرفض الشريف أن تُبنى هذه المصالح "على حساب جثث الأزواديين"، مقدما رؤية تنموية وسيادية تضمن للجميع حقوقهم في إطار تسوية عادلة ونهائية.

إن خطاب الأمين العام بلال أڨ الشريف في هذا الظهور الإعلامي لم يكن مجرد عرض للمظلومية، بل كان "إعلان استقلال سياسي" قبل أن يكون قانونيا. لقد نجح في رسم ملامح أزواد المستقبل: كيان مسلم بتسامح ووسطية، ناضج ببراغماتية وواقعية، صامد بقوة السلاح، ومستعد لشراكة دولية تحترم سيادته. 

وهي دعوة أخيرة للعالم لتصحيح مساره تجاه منطقة الساحل وقضية أزواد بالذات، قبل أن يفرض "طوفان الأزواديين" واقعاً جديدا لا تملك فيه القوى الدولية سوى خيار الاعتراف بالأمر الواقع. أزواد اليوم، من خلال هذا الخطاب، لم يعد يطالب بـ "الشفقة"، بل يفرض "الندية" كلاعب أساسي لا يمكن تجاوز مصالحه في معادلة الأمن الإقليمي.

- لحسن أڨ تيهما

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122