كثيراً ما يتم انزياح عبارات ذات أصل وصفي في السياق الحساني، إلى سياقات تداولية مغايرة، لا يراد معناها الأول، بل ينصرف الفهم إلى دلالات جديدة استقرت بفعل الاستعمال.
ويقوم هذا التحول على قرينة لفظية واضحة، وغالباً ما تتجسد في لفظ مشترك يتصدر العبارة على صيغة "أفعل" التفضيل، فتقوم تلك الصيغة بتوجيه المعنى وإعادة تشكيله داخل النسق التداولي.
وقد سجلت في الكناش ثماني عبارات تستجيب لهذا الحد وهي:
"أَبْرَدْ مِنْ عَيْشْ تَمَشَانِتْ"، و"أَطْرَشْ مِنْ عُكْبَانْ تِيرِسْ"، و"أَجْغَمْ مِنْ طَلاَّسْ عِجْلَيْنْ"، و"أَحْمَ مِنْ هِيبْ سَبْعَ"، و"أَحْرَشْ مِنْ فُمْ أَكْجَوْجَتْ"، و"أَزَوْزَ مِنْ كَوْدْ مَكَرْ"، و"أَبْيَظْ مِنْ دَرَّاعِةْ وُلْ فِنْدِ"، و"أَرْكَبْ مِنْ حَقْ الوَالْدَيْنْ".
وقد عرضت الملمح والأمثلة على الأديب البارز والناقد المطلع لمشعشع بن حبيبي، فأعجب به ونوه بجدته وظرافته، وشدد على أهميته، وزودني بعبارتين تستجيبان للحد الموضوع هما:
"أَرْظَعْ مِنْ جَبِيرَ" و"أَهْرَدْ مِنْ عَبْلَ".
وفي ذات السياق، فقد استفدت من سليقة صديقي الظريف أحمد بن الحامد عبارتين تدخلان في نفس الغرض، إحداهما علق بها على حلقة من مسلسل الحاج متولي، والأخرى أوردها في سياق وصفة طبية وصفها ذات خريف لأحد معارفه لعلاج مرض "أجنكر" المعروف.
وقد خصصت مبحثا من كتاب في الثقافة الحسانية أعكف على تأليفه حاليا، للتعليق على تلك العبارات سميته ب"التحول الدلالي في الخطاب الحساني: آليات الاشتراك اللفظي والقرينة التداولية.
وسأتقاسم معكم اليوم مستلا من ذلك المبحث يكان يكبظكم اغب لكتاب وتسرعون إلى اقتنائه فور صدوره.
*أَبْرَدْ مِنْ عَيْشْ تَمَشَانِتْ*
تُحيل عبارة "أبرد من عيش تمشانت" إلى صورة مستمدة من البيئة الغذائية والجغرافية خاصة في ولايتي اترارزة وإينشيري؛ فالعيش هو العصيد المصنوع من الدخن أو الذرة وهو بطبعه بارد، ويؤكل غالباً ليلاً، أما "تَمَشَانِتْ" فهي أرض تقع بين إنشيري وآوكار وتَفَلَّه معروفة ببرودتها زمن الشتاء. ونظراً لاجتماع برودة الطبع والمكان والزمان، أصبح العيش في "تَمَشَانِتْ" شديد البرودة، فكان ذلك أصلًا لضرب المثل السائر.
وأما لفظ "أَبْرَدْ" فقد ورد على وزن "أفعل" الدال على التفضيل، مظاهراً بين دلالته الحسية المرتبطة بالحرارة، ودلالة تداولية أخرى تستعمل في وصف التراخي والفتور وعدم المبادرة في فعل الأمور. فأصبحت تلك الصيغة قرينة لفظية تُعيد توجيه الفهم من البرودة الحسية إلى برودة السلوك.
*أَطْرَشْ مِنْ عِكْبَانْ تِيرِسْ*
تستمد عبارة "أطرش من عكبان تيرس" من بيئة منطقة تيرس في الشمال الموريتاني، وتعرف تلك المنطقة بطبيعتها الجبلية وكثرة الجوارح فيها. وكما هو معروف ينقض العقاب على فريسته ضارباً بجناحيه على وجهها، وهي حركة تسمى في الحسانية ب "اطْرِيشْ" وهو الصفع على الوجه، بما تحمله تلك العبارة من صلف وعنف ومباغتة.
غير أن السياق الحساني لا يقف عند ذلك المعنى الحسي، بل ينقل العبارة إلى مجال تداولي آخر، فتصبح دالة على المبالغة في شدة الصمم، ويقوم هذا الانتقال على قرينة لفظية تتمثل في لفظ أَطْرَشْ، وهي صيغة على وزن أفعل الدال على التفضيل يستفاد منها معنى المبالغة في الصمم.
وقد منح لفظ "اطْرِيشْ" بوصفه فعلاً عنيفاً قد يسبب الصمم، العبارة قوة إيحائية وخصوصية تداولية مميزة.
*أَجْغَمْ مِنْ طَلاَّسْ عِجْلَيْنْ*
تشير عبارة "أجغم من طلاس عجلين" إلى بعض عادات وأعراف حلب البقر في الثقافة البيظانية، والطلاس صغة مبالغة من فعل "طلس" بمعنى أطلق، ويطلق على من يرسل العجل إلى أمه لكي يرضعها.
وكان للغلام الذي يُعين الحالب الحق في نغبة من لبن كل بقرة يطلق عليها عجلها، فإذا أطلق عجلان استحق نغبتين، فغدا ذلك مضرباً للمثل في كثرة ما يَجغُم من اللبن.
وفي هذا السياق ورد لفظ"أَجْغَمْ" على صيغة أفعل الدالة على التفضيل، قائماً على اشتراك لفظي بين "جغم" الماء و"جغم" الدخان، فغدت تلك الثنائية قرينة دلالية تعيد توجيه الفهم من المجال الرعوي إلى المجال التداولي.
فباتت العبارة تُستعمل للمبالغة في وصف كثرة استخدام ذات الدخان المعروفة بامانيج.
*أَحْمَ مِنْ هِيبْ سَبْعَ*
تعد "هِيبْ" من الألعاب الشعبية القديمة في المجتمع الموريتاني، وتقوم فكرتها على أن يقف أحد اللاعبين داخل حفرة غير عميقة، ويمر حوله رفاقه في حركة دائرية مصحوبة بالمكاء والتصدية والصياح وإثارة الضجيج من أجل التأثير على نفسيته وتركيزه، حتى يتمكنوا من ضربه دون أن يمسك بثوب أحدهم.
أما الشاب الواقف في الحفرة، فيحاول الدفاع عن نفسه بكل ما أوتي من قوة، فيقوم بحركات سريعة ويدور في كل الاتجاهات ساعياً إلى الإمساك بثوب أحد اللاعبين أو ضربه لكي يتم استبداله مكانه.
ويؤدي تكرار محاولات الضرب والضرب المضاد، إلى خلق جو حماسي بين اللاعبين، يعبر عنه "بالحمان" ولذلك يتم الإغياء بحمان "هيب".
أما لفظ "سَبْعَ" الوارد في العبارة فيعني اللبؤة، ولعله يحيل إلى صورة متخيلة أشد حمانا، حيث يفترض المخيال الشعبي وجود لبؤة في الحفرة بدلا من إنسان، ولا شك أن محاولتها الدفاع عن نفسها، ومهاجمة المحيطين بها، سيحول المشهد إلى فوضى غير خلاقة.
وتقوم عبارة "أَحْمَ مِنْ هِيبْ سَبْعَ"، على قرينة لفظية تتمثل في صفة "أَحْمَ"، وهي لفظ مشترك يتردد بين دلالة حسية تفيد الحرارة، وأخرى تداولية تفيد شدة الحماسة والجموح.
وينصرف الفهم في الاستعمال إلى المعنى الثاني، أي المبالغة في وصف حالة من الاضطراب والحيوية، وهو ما منح العبارة قوة إيحائية وكثافة تصويرية.
*أَحْرَشْ مِنْ فُمْ أَكْجَوْجَتْ*
تُشير عبارة "أحرش من فم أكجوجت" إلى خصيصة جغرافية لمدينة أكجوجت عاصمة ولاية إنشيري، التي تتميز بوعورة أرضها وانتشار الصخور الجبلية فيها، فيغدو السير في مداخلها شاقاً على الراكب والراجل، فتدمي الأقدام وتَنقُب خفاف المطايا.
وقد ورد لفظ "أحرش" على وزن أفعل الدال على التفضيل، مظاهرا بين الدلالة الحسية القائمة على الحزونة وهي ضد السهولة، ودلالة تداولية أخرى تستعمل في وصف الرجل الذي يتمتع بعدة صفات كالحضور القوي، والكاريزما الطاغية، والذكاء الاجتماعي، والقدرة على تحقيق الأهداف بعزم وثبات.
ومن هذا التقابل نشأت قرينة لفظية تُعيد توجيه الفهم من خشونة الأرض وصعوبة اختراقها إلى قوة الشخصية وقدرتها على اختراق المواقف.
*أَزَوْزَ مِنْ كَوْدْ مَكَرْ*
تشير عبارة "أَزَوْزَ مِنْ كَوْدْ مَكَرْ" إلى إحدى خصوصيات منطقة إكيدي، وتحديدً إلى "كود مكر" ، الذي يمتد من تنشيكل شمالاً إلى صالحين تاكننات جنوباً، على طول مسافة تقدر بثلاثة عشر كيلومترًا، ويعرف غور مكر بانبساطه واستقامته وخلوه من التعاريج والمطبات وهابي الرمل ، فكأنه خط مستقيم لا يكاد ينثني.
أما لفظ "أتزوز" فيأتي في السياق الحساني دالا على الشخص الذي لا يرضى بما قسم له ويستقل أعطيته، غير أن هذا اللفظ يشتق أيضا من اسم آلة موسيقية تسمى "الزّوزاي" ولعلها النايْ، حيث يتم النفخ في مجرى مستقيم لا اعوجاج فيه.
ومن هذا التوازي تنشأ صورة بلاغية دقيقة، تقابل بين استقامة مجرى النفس في الناي واستواء امتداد السهل، فكلاهما ينتظم على نسق واحد خال من العوائق، يعبر عنه محلياً بـ"كود إشوط، أو كود امزوز".
وعلى هذا الأساس ينتقل اللفظ إلى دلالة تداولية تفيد المبالغة في وصف الاستقامة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الصورة ليست حكراً على "كود مكر" وحده، بل إنه لكل منطقة جغرافية كودها لمزوزي الخاص بها ، مثل "كود تن اظبيع" في آتكور، و"كود زار" عند أهل آوكار وغير ذلك.
#للاطلاع على المزيد من العبارات يرجى انتظار صدور الكتاب
*يعقوب بن اليدالي*