لم تكن الثقافة يوما من اهتماماتي، ولم أكن أعد نفسي من أهلها، فالظروف تجعلني بعيدا عنها وتجعلها بعيدة عني، لم أسْع سعيها أو أسلك سبيل أهلها، بل سلكت سبيل مساكين يعملون في البحر بعيدا عنها، وقد قال الفيلسوف اليوناني القديم أرسطاطاليس إن: "الناس ثلاثة: أحياء، وأموات، ومن يعملون في البحر."
(سارت مشرقة وسرت مغربا : : شتان بين مشرق ومغرب).
لذا أجدني ينطبق علي وصف العقاد لحافظ إبراهيم في كتابه: (بين شكري وحافظ) في سياق موازنته بينهما يقول العقاد:
"حافظ رجل نشأ أول ما نشأ بين السيف والمدفع، ومن أجل ذلك ترى في شعره شيئاً من خشونة الجندي وانتظام حركاته واجتهاده، وضعف خياله وعجزه عن الابتكار والاختراع والتفنن، وهذا هو السبب في أن حافظاً لا يقول الشعر إلا فيما يُسأل القولَ فيه..."
ولهذه الأسباب وغيرها لا أكتب إلا بمناسبة...
وبمناسبة دعوة كريمة وصلتني من جمعية العُقل للثقافة وإحياء التراث، لحضور ندوة ثقافية نظمتها، حول الشخصية العلمية الموريتانية: الشيخ محمد الأمين ابن فال الخير الشنقيطي الحسني الأعمر آشي، جعلتني _هذه الدعوة_ أجد نفسي وجها لوجه مع الثقافة، والمثقفين لأول مرة.
(تنورتها من أذرعات وأهلها : : بيثرب أدنى دارها نظرٌ عالي).
كانت الندوة عن عَلَم من أعلام هذا القطر حفر اسمه في ذاكرة التاريخ، وذاكرة الوطن، وذاكرة المشرق، فقد كان سيدا مقدَّما أينما حل وارتحل في المشرق والمغرب بعلمه.
(إن حل في فُرسٍ ففيها ربها : : كسرى تذل له الرقاب وتخضعُ
أو حل في رومٍ ففيها قيصرٌ : : أو حل في عربٍ ففيها تبعُ)
بدأ الهطول الثقافي لهذا الحدث صبيحة السبت وانتهى مساء الأحد، كان نشاطا مكتنزا بالثفافة، ونابضا بالحيوية والنشاط، تعاقب على منصته أساتذة وباحثون كبار، تناولوا شخصية الشيخ محمد الأمين بن فال الخير من كل جوانبها.
فمن هو ابن فال الخير؟
هو العلامة: محمد الأمين بن فال الخير عالم حسني ولد في منطقة العُقل (لِعكل) بولاية الترارزة، وهاجر إلى المشرق لنشر العلم هنالك، ومقاومة الاستعمار، وقد قادته رحلته تلك إلى الاستقرار في بلاد الرافدين العراق..، عراق الحضارة والتاريخ، وفي مدينة الزبير بمحافظة البصرة، هناك أنشأ مدرسة النجاة للبنات وظل يسقي ذلك الغرس الذي غرسه بنور العلم، كما ظل سفيرا فوق العادة وكامل السلطة للمحظرة الشنقيطية التي بعثت سفراء للمشرق، من أمثال أبناء ما يابي وابن التلاميذ، وابن اخطور، وابن الأمين العلوي، فلكل منهم قطر من أقطار المشرق وضعته الأقدار سفيرا فيه، فابن التلاميذ، وأحمد بن الأمين كانا سفيرين في بلاد الكنانة، وأبناء ما بابي كانوا سفراء في الأردن وآبَّه بن اخطور سفيرا في بلاد الحرمين، أما صاحبنا العلامة العلم فقد حط الرحال في العراق وكان سفيرا في تلك البلاد كلها...
في العراق أسس مدرسته وفيها كتب مذكراته، وإن من حقوق هذا العالم الجليل على الأجيال أن تذكر معروفه وتخلد ذكراه وتنشر مطوي علومه وأخباره، وهو ما قامت به جمعية العقل حذام الثقافة، وأشرفت عليه، فكان نشاطها متميزا وغنيا بأخبار هذا العَلَم ونشر مآثره، فأخبار العِلم والعلماء حديث ذو شجون. وحديث عن العلم حديث يستهويني ويطربني.
(حديثه أو حديث عنه يطربني : : هذا إذا غاب أو هذا إذا حضرا)
المنظمون لهذه التظاهرة الثقافية رصدوا لها ما يلزم ماديا وبشريا فكانت متميزة من ناحية الكم ومن ناحية الكيف، فكان أُكلها دائم، وشربها، وشايها، وقهوتها، فيها من كل صنف زوجان، يطوفون به شباب وشيبُ شباب... تميزهم من غيرهم بفصاحة القول، وصباحة الوجوه، وبياض الثياب، وطيب الريح ونقاء البشرة، كأن أبا عثمان عناهم بوصفه في بيانه وتبيانه:
"كالدنانير المجلوة، أو الأقمار في ليالي أضحيانها، كأنهم المصاحف، جمالاً ووقاراً وسكينة، تخال الشمس تطلع من جباههم حُسناً وبهاءً، يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، إذا جلسوا حسبتهم ملوكاً على أسرّة، عليهم من المهابة ما يمنع العين من التحديق فيهم، ومن الجمال ما يستوقف الأبصار دونهم، إذا حضروا المحافل أشرقت بهم وجوه المجالس"
(ثياب بني عوف طهارى نقية : : وأوجههم عند المشاهد غُرَّان).
تراهم كأنهم في الناس شامة، لا يختفون في الخليط إذا بانا ولا يقطعون من حبال الوصل والود ما كانا.. ما يوغدو افلخلاط.
وفي استراحة الشاي لقيت رجل الأعمال.. أعمال الخير والبر والمروءة والإحسان، الوجيه الاجتماعي والفاعل السياسي: الشريف الحسن بن الشيخ، كان يتحدث مع بعض المنظمين للندوة أخبرهم أن لا تكون الوسائل المادية عائقا أمامهم في نجاح الندوة وأن أي أمر يرون فيه راحة، ورفاهية المدعوين يُحضرونه في الحال مهما كلف.
(هو الجواد الذي يعطيك نائلَه : : عفوا ويُظلم أحيانا فَيَظَّلِمُ)
ولا ينبئك مثل خبير.
ذكَّرني قوله وفعله هذا _والشيء بالشيء يذكر_ ماحدَّث به الأصمعي عن كريم أهل البصرة وسيدهم: ضرار بن القعقاع الدارمي قال:
"إن نزاعا حصل بالبصرة فتفاقم الأمر، ثم مُشي بين الناس بالصلح، فاجتمعوا في الجامع، قال: فبُعثت وأنا غلام إلى ضرار بن القعقاع من بني دارم، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت عليه، فخبرته بمجتمع القوم، فأمهل قليلا ثم صاح: يا جارية غدينا، قال: فأتته بزيت وتمر، قال: فدعاني فاعتذرت، حتى إذا قضى من أكله حاجة، وثب إلى طين ملقى في الدار، فغسل به يده، ثم صاح: يا جارية، اسقيني الماء، فأتته بماء، فشربه، ومسح فضله على وجهه، ثم قال: الحمد لله، ماء الفرات، بتمر البصرة، بزيت الشام، متى نؤدي شكر هذه النعم!؟ ثم قال: يا جارية، علي بردائي، فأتته برداء عدني، فلبسه على ثوبه. قال الأصمعي: فلما دخل المسجد صلى ركعتين، ثم مشى إلى القوم، فلم تبق حبوة إلا حلت إعظاماً له، ثم جلس، فتحمل جميعَ ما كان بين الأحياء في ماله وانصرف."
إنها _والله_ أخلاق الكرام وزي الملوك وزي السادة النخبة.
(رآه ذو العرش علام الغيوب لذا ... أهلاً فساق إليه قبله سببه).
لقد تجلّى في هذه الندوة أن أهل الشعب أدرى بما فيه، فقد كان المحاضرون الذين تربطهم بالشيخ ابن فال الخير وشائجُ القربى والنشأة أبلغَ الحاضرين بياناً، وأغزرهم علماً، وأعذبهم حديثاً. جاءت كلماتهم وقد حملت من دفء المعرفة القريبة ما لا تبلغه المصادر والكتب وحدها، فكأنهم لم ينقلوا عن الشيخ، بل نطقوا بلسانه، ولم يصفوه بل أخرجوه لنا حيّا جسدا بعلمه وأدبه وسمته، وما ذاك إلا لأن من عاشر القمر استنار بضوئه، ومن نشأ في حجر العلم ورثَ فصاحته وبيانه.
(كذا من جاور العلماء طفلا: : يكون إذا نشأ شيخا أديبا).
ولعل السرّ في تميّزهم عن غيرهم يعود إلى البيئة التي نشؤوا فيها والتي تُعلي من قيمة العلم وتجعله معيار التميز والمكانة، وبالعلم يرفع الله أقواما ويضع آخرين.
فهؤلاء لم يتحدثوا عن شخصية يعرفونها من بطون الكتب فحسب، بل عن أبٍ أو جدٍّ أو قريبٍ عاشوا في ظلاله وتنسّموا عبير مجالسه، فجاء كلامهم محمّلاً بحرارة الوجدان ورقّة الحنين، فأهل مكة أدرى بشعابها.
وإذا كان غيرهم من المحاضرين قد أحسنوا النقل عن المصادر والمراجع فأجادوا وأفادوا، فإن هؤلاء قد نقلوا بالسند الأعلى والمتصل عن قوم عاشروا هذا الشيخ فجاء حديثهم حديث العارف بالشيخ كشاهد عيان عنه، وحديث سواهم حديث العارف به عن طريق البحث وكتابات الآخرين، وكلا الحديثين كان متميزا وممتعا.
فكل الطرق تؤدي إلى روما.
(خذا بطن هرشى أو قَفاها فإنه : : كلا جانبي هرشى لهن طريق).
فمن أراد أن يعرف الرجل فليسأل أهله.
(تسائل عن جهينة كل حي : : وعند جهينة الخبر اليقين).
فقد حدثوا عنه حديث العارف وأبانوا عنه بيان الفصيح، وقد ظهر ذلك جليا في مداخلاتهم، خاصة حين تناول الدكتور التقي ول الشيخ الكلام، فخطف الأنظار، وكسف الأبصار.
(ذاك التقي النقي الطاهر العلم)
قال فأحسن، وأوجز فكفى، وأشار فوفى وبين فشفى..، إن استرسل لا يمل حديثه و لا يضجر سامعه
(كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع : : لـذي إربة في القول جداً ولا هزلا
إذا قـال لـم يترك مقالاً لقائل : : بمنتصــحات لا تــرى بينهـا فصـلا)
قرأ من ورقته، وتلا من حفظه، وارتجل من بديهته، وتكلم على سليقته، فتواجد الحضور وضجت القاعة بالتصفيق وتمايلت الهامات طربا ولسان حالهم يردد مع البحتري في الخليفة العباسي المتوكل:
(فلو أن مشتاقا تكلف فوق ما : : في وسعه لمشى إليك المنبر
ورنا إليك الناظرون فإصبع : : يومي إليك بها وعين تنظر)
أو قول الرصافي:
(فنحن إليك بالأسماع نصغي : : فهل لك أن تُفيد فنستفيدا
بقول لا تزال تنوط منه : : بجيد بدائع الدنيا عقودا
و لو كررته للقوم ألفا : : لأقسم سامعوه بأن تعيدا
وكم تهتز أعطاف المعالي : : إذا ما قلت قافية شرودا).
وفي ختام اليوم الثاني رست سفينة النشاط على الجودي وأسدل الستار على ندوة كانت من أكثر الندوات تميزا،
(ولو نعط الخيار لما افترقنا : : ولكن لا خيار مع الزمان).
وهذه الندوة أعطت رسالة بأنه لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار، وأن جمعية العقل للثقافة على مسمى وأنها رائدة في مجالها، وأنه سيكون لها شأن في خدمة الثقافة في هذا القطر الذي كان أول ما صدر للعالم الإسلامي هو الثقافة وسفراء الثقافة الذين يعد ابن فال الخير من أبرزهم.
(أشم أبلج تأتم الهداة به : : كأنه علم في رأسه نار)
وفي ختام اللقاء كرمت الجمعية عدة أعلام من أعلام هذا البلد كانوا سفراء له في فترة كانت البلاد بحاجة إلى تلك الدبلوماسية الناعمة التي عرفت بها في المشرق قبل أن يكون هنالك بلد مستقل يسمى موريتانيا أو الجمهورية الإسلامية الموريتانية
من صفحة الكاتب محمد عبد الله البان.