*سؤال في الأدب*
سألني البارحة سائل أديب عن إشارات وإلماحات وردت في نص غزلي متداول ينسب للمرابط امحمد بن أحمد يورَ رحمه الله وهو:
أرى الحُب يا أم الطفيل الصُّغيِّر
يزول وما حبيك بالمتغيّر
وما نحن إلا مثل ليلى وتوبة
أزال هوى ليلى عن ابن الحمير؟
ومانحن إلا عزةٌ وكثيرٌ
فهل حب عزّ زائل عن كثير
فإن ألقها في الناس لا وصل بيننا
سوى نظرة من عاشق متحيّر
وإن ألقها وحدي تمت فرحاً بها
عظامي كأني فأر أهل "الجُبير"
وأشتاقها اشتياق "مَانيج" أهلها
وأترى لها من أم "أهل العُبيّر"
فقلت له إنه سقط على غير الخبير، فكان الأوْلى به أن يسأل الفتيان ممن جمعوا بين الرواية والدراية والإلمام بالسياقات الشعرية، ثم أكدت له أني سألت مرة الشيخ الأديب امحمد بن شمَّاد عن قائل هذه الأبيات، فأخبرني أنها للشيخ الأديب محمدُّ بن المصطفى العلوي- رحمه الله- ونفى نسبتها لجده، والشيخ محمدُّ شاعر مطبوع وعالم مشهور وهو معاصر للمرابط امحمد وهو الذي يعنيه بأبياته الشهيرة:
ياوارداً بحر العلوم المرتوي
من صفوات العلوي المصْطَفوي
قد حان لي منك لقاء تنزوي
به الهموم في الحساب العلوي
لو ساعد الدهر وساعف الرَّوي
لقلت غير ذا وما تغني لَوِ
و لا أدري سبب نسبة الحساب إلى أخوالنا الكرام إدوعلي، إلا أن الشيخ المؤرخ المختار بن حامد ذكر في موسوعته إنه الحساب الغريغوري الجاري به العمل الآن في التقويم الشمسي العالمي، ويقابله الحساب اليولياني المستعمل عند الروم قديما، وهو الذي كان العمل به جاريا في موريتانيا قبل قدوم الاستعمار، ثم صار يطلق على كل ما حان أوانه أو زاد.
وفيما يتعلق بالإشارات التي في الأبيات، فليلى المعنية هي ليلى الأخيلية بنت عبد الله بن رحال من قبيلة هوازن، عرفت بالفصاحة والوضاءة وجودة الشعر وقوة الشخصية، وقد ربطتها قصة حب عذري مع الشاعر والفارس توبة بن الحمير العقيلي العامري ومن أبياته السائرة فيها:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت
فقد رابني منها الغداة سفورها
وكثير هو ابن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعي، وكان شاعر أهل الحجاز ومدح خلفاء بني أمية، وقد تُيِّم بعزة بنت حميل الضمرية وشبب بها وكانت وفاته في خلافة هشام بن عبدالملك.
وفأر "أهل اجْبَيِّر" قيل إنه دخل في جراب من الدقيق، ومن شدة فرحه به رقص حتى مات.
وأما "آتْرِ" فهو بالنسبة للدخان مثل الصديان بالنسبة إلى الماء، والقرم بالنسبة إلى اللحم والعيمة بالنسبة إلى اللبن.
وقد ورد آتر في شعر الموريتانيين من ذلك قول الشيخ المربي الأديب الشيخ أحمد بن آدب الكنتي:
هل من كمي يكمي مدنفا تاري
يلقى الهموم بأشفاع وأوتار
ولا مؤانس يلقاه يؤنسه
لا من قريض ولا من تحريك أوتار
كما عبر العالم الأديب محمذن بن احجاب عن آتري في قطعته الجميلة بقوله:
وصار عظمي وبيتي من فراغهما
إذا نظرتهما يوما يسوءاني
و أم أهل لِعْبَيِّرْ، لم أقف على اسمها ولا من أي قبيلة هي، ويقال إن آتر دفعها إلى أن أصبحت تخلل ما بين أسنانها وأضراسها فتكمي به لأن به رائحة أمانيج، كما اضطرها أيضا لإعادة تدخين سُؤر طوبتها، المعروف محليا ب"العَسْلَ".
وفي هذا السياق، يروى أن رجلا من بني ديمان قدم من السنغال بكمية لا بأس بها من أمانيج والتقى بصديق له لا يرى استخدام التدخين ويشدد فيه، فلما رأى حمولة امانيج خاطبه قائلا: لو وليت أمر هذه الكمية من أمانيج لفعلت بها ما سأقول لك، قال له الديماني وما أنت فاعل بها؟ قال الصديق سأسحقها جدا ثم أشعل فيها نارا فلا تضر مسلما، فقال له الديماني هذا الا هو اللي لاهي انعدله.
والله تعالى أعلم
*يعقوب بن اليدالي*