د. إشيب ولد أباتي
يسألونك عن الحوار في واحدة من الديمقراطيات المستجلبة إلى أقطار الوطن العربي..!
فهل نقول، إنه تساؤل مشروع غير، أنه يعبر عن جهل مشفوع بطمع "سندباد البري" - الأسطورة - بما في حمولة الباخرة الفرنسية من "حاويات"، هي هدية معروضة، وفي نفس الوقت مفروضة، لأنها بضاعة ( مزجاة)، مضافة إلى خبرة الحكام العسكريين السابقين، واللاحقين،،؟
لكن هل تعترف الأجيال الموريتانية الحاضرة، بتكفير فرنسا - عما فعلته بالوطن، وبمجتمعنا الموريتاني - وذلك في إطار ترشيد الحكم السياسي للأجيال اللاحقة، إذا قدرت دور هذا الإرث المدني بعد الحكم العسكري، وتجربة الاستقلال في ستينيات القرن العشرين بقيادة الحزب الواحد، علاوة على مساندة الأنقلابيين سيما انقلاب معاوية سنة ١٩٨٤م.؟!
وهذه المحطات غير متباعدة بعمر المجتمعات، و في نظر فرنسا، واتباعها، أنها ضرورية لمرور قطار الحكم السياسي في بلادنا إلى ما وصل إليه في المحطة الاخيرة، تحت العنوان المشترك الذي، يجمع نظامنا السياسي مع الأنظمة في المجتمعات الحديثة، والمعاصرة..؟!
يا سلام، أي حلم نعيشه، ولا نقدره، حتى تنتهي السكرة، الغفلة، البيات، الضياع ..!
ومن أجل اقناع الحاكم، والمحكوم معا بالديمقراطية في شكلها، ومضمونها، فلتكن ديمقراطية مكلبة، بشعارها الوهاج، وهذا هو الأهم.. ولو أنها ترفض المعارضات الحزبية، إذا كانت غير قبلية، غيرجهوية، غير مدعومة من مشيخات الخليج العربي المتأمركات، غير ملونة، غير فئوية، غير إثنية…!
ولعل القارئ لن يسأل عن العلاقة بين عنوان المقال، والرموز الباقية، عالقة في ذاكرة الوطن، إذا نسيها المواطن الجوعان بصومه، وجوعه وعجزه عن مشتريات المطالب اليومية لأسرته.. وكلها أمور تجمع بين الضرورات الملحة للمواطن، وبين الطموح الذي يمور في ذهنه ، الغارق بين دفتي الفكر، والمشاعر، والنفسيات المحبطة التي، تبحث عما في تلك "الحاويات"، وما جلبته الباخرة الفرنسية حين رست على ميناء نواكشوط لأول مرة سنة ١٩٩١م. بحمولتها العظيمة، الوصفة لداء التخلف السياسي، والاجتماعي، إنها ( الديمقراطية) الاسعافية، للطبابة من جائحة أفقر دول الساحل في غرب أفريقيا، تلك هي: بلادنا حماها الله ممن يقود قافلتها السياسية من معارضي التقدم، المناوئين للديمقراطية الحرة التي أطلقت الألسن المكممة دهورا، حتى استنطقتها الوصفة المستجلبة، واختارت لنا "الطبيب المداويا"، لكن للأسف تضاعف الداء على الدواء،، بظهور أعراض غير قابلة للكبح، لذلك، فبلادنا معرضة لجرائم الجوارح من الديناصورات الانقلابيين ..!
…….
وبما أن القرن الماضي أطلق عليه "قرن - اسبرين"، فمن الأولى أن نعرفه في بلادنا بقرن الديمقراطية المكلبة عندنا، وذلك لما للوصفة من فاعلية أزالت الأسقام، كالانقلابات، وتنطع العسكريين، وتحالفهم مع " الكادحين"، وهم كالمخدوعين على سرير الزوجية ببنات الكادحين، اللائي يسترجعن اليوم تجربة الفرنسيات لزواجهن بابناء المتصوفين في الجزائر، والهدف واحد، إنه إخضاع المواطنين، وقل إن شئت، ب"تربية القلوب" في حلقات الذكر وترديد " ألله، ألله، أو أللى، أللى " ، كذلك، استطاعت وصفة الديمقراطية المكلبة احتواء، " التكيف" في التحور من العسكري إلى المدني عبر الانتخابات، وتعدد الأحزاب باسمائها، ورموزها، وتراخيصها، قبل محاولة سيادته( ..)، استبدال الأخيرة ب" التصاريح" التي لا تخضع لقانون الأحزاب، واعفائه الأنتقائي للأحزاب المفرخة " كتاتيك"ربما، لأنها مجربة بمظاهر الأنسجام مع مناخ الديمقراطية الموريتانية التي تتردد كثيرا في إدخال الأحزاب القومية، والتقدمية، والشبابية، والاجتماعية من أجل الأستشفاء في العيادة العامة للأحزاب، أقصد تحديدا البرلمان، وذلك لتلقي الحقن، وأولها، أن تقبل الأحزاب - غير المجربة - بالحوار، وهذا منطقي جدا، وهو اختبار إلزامي، على كل المترشحين للأمتحان الديمقراطي، الموافقة غير المشروطة، للأحتواء، تماما كالمعارضة الموجودة في البرلمان التي إن اختلفت في انتماءاتها، فإنها متفقة، بالبصمة على مطالب الحزب الحاكم، وهذه واجهة من أوجه " الإنصاف" في حقه، حتى يدرك اقطاب الزمان، و "مربي القلوب"، و الصيدلانيين، والصيدلانيات، مدى الاستجابة الصادقة من تلك المتلكئة، أوالممتعضة من الحوار، المجس الذي يكشف عما في الأحزاب من غرائز عدوانية، كمعارضة النظام، لأن الديمقراطية المكلبة، في جوهرها، تكميلة لتحصين النظام السياسي من النزلاء الجدد قبل ولوج الأحزاب للبرلمان الموريتاني الذي هو بمثابة عيادة للطبابة السياسية، وللسياسيين، مهما كان برلماننا متأثرا في هيكله التنظيمي بالعهد السابق، عصر الجوارح، الانقلابيين، لذلك، فالرئاسة البرلمانية مؤتمنة، لأنها تحت إشراف اثنين العسكريين بالتداول، ولو أنهما في فترة التقاعد، فهما أكثر انضباطا، ومنعا من فوضى المدنيين الذين لم ينتظموا في سلك الخدمة الوطنية التي تصنع المواطن الصالح..
وللعلم، فالحجر في عنابر البرلمان على اعضائه، و ليس على مؤسسة البرلمان المستقلة منذ أقلعت بها الباخرة الفرنسية الى بلادنا، وحملت برعاية فائقة في حاوية بمفردها، ليترأسها من هب، ودب من شيوخ القبائل، وآدوابه، حتى عادت إلى حضنها الطبيعي، وللأنضباط العسكري المتحور في ال" كليشة " المدنية..!
……..
نحن في الحركة الشعبية التقدمية، كنا، ولا نزال نطالب بالاعتراف، وانتزاع حقوقنا السياسية، وأولها التراخيص - لمن تقدم لها في وزارة الداخلية، وليس التصاريح - القانونية المنظمة للعمل الحزبي، والأحزاب في تصورنا العام، تنحصر وظيفتها في توعية المواطن، والنظام معا، للاستجابة للحقوق المدنية، والسياسية، وهي حقوق مستحقة ، وليست عطايا، أوهبات، أوصدقات، أو رشى، لأنها حين، تقدم للمواطن، فهي مقتطعة من الميزانية العامة، من عائدات الريع بعد تسويق الثروات الطبيعية، وليس من جيب هذا، أو من محفظة تلك..!
والعمل الحزبي، هو الذي ينظم الحياة السياسية في الدول التي وصل التطور فيها إلى هذا النظام البديع - في إحقاق العدالة الاجتماعية، وليس الديمقراطية المزيفة التي تعتاش تحت سقف واحد مع الفساد المالي، والإداري، والصفقات التي تزعزع الأمن العام - الذي جعل الناخب متحكما في مقعد من هو على قمة الهرم السياسي في هذا العقد الاجتماعي المتجدد،، وليعلم المشرفون على تجربتنا الديمقراطية المكلبة، أنها كذلك معلمة، ومدربة، وملتزمة بالانتخابات، وباحزاب تعبر عن الحراك السياسي المطالب بالحقوق المشروعة للمواطن..
وتصورنا يحدد التوافق الوطني بين الأحزاب السياسية، والنظام السياسي في الدفاع عن المشترك من الثوابت الوطنية المعروفة في كل المجتمعات الحديثة في ثلاثة ثوابت مبدئية:
١- الدفاع عن الوحدة الديمغرافية.
٢- الدفاع عن الوحدة الترابية.
٣- الدفاع عن النظام السياسي، كخيار عام.
وما عدا هذه الثوابت، فالاختلاف مع النظام، وبين الأحزاب مشروع، ومطلوب، والعدول عنه خيانة للضمير، وللمبادئ الحزبية، وللمواطن، وللمجتمع العام، وللأمة، خاصة بالنسبة لنا نحن الوحدويين الناصريين...
…….
ونحن في الحركة الشعبية التقدمية، قدمنا في مقال شيخنا ولد أحمد سلطان، المحاور التي ينبغي أن تكون موضوعات للحوار المطلوب، والهدف الذي يتوخى منه، والتوقعات المنتظرة من أي حوار جاد، و بناء.
……
وقد ظهر مؤشر غير مشجع للحوار، تمثل في الأداة التي أسند إليها إدارة الحوار، وهي من التيار الذي له سوابق سياسية، وعرف عن أطره، سيما المعاد تدويرهم، تمرير مطالب النظم في التجارب السياسية، ومن هنا كانت حاجة النظام القائم باسلوبه واضح النوايا، الأمر الذي جعل العديد من السياسيين، يعبر عن الموقف المدين، أو الرافض، او الشاك في قيمة الحوار، وعدم جدواه مقارنة بالحوار السابق الذي ترأسه إطار سابق من ذات التيار البراغماتي، ولم ينتج عن الحوار نتائج تشجع على إعادة الحوار المنتظر مع النظام السياسي…!
….
وقد ظهرت عينات متفرقة، ولربما الخيط الذي يجمعها - علاوة على " الإمعية " في منطوقها المتهافت - الرفض غير المبرر للحوار، أو الدفاع عنه بلا سلاح، اسباب مقنعة، تبرر لماذا يقبل الحوار، أوالعكس لماذا الرفض؟
ولو سئل أحد المراقبين للاهداف الجارة، أو المجرجرة لعناصر العينات من الأعلى إلى الحضيض،، سيلحظ ، أن القبول مشروط بأشراك بعضها، وهذا كاشف عنه اسماؤها، كما أن رفض بعضها، هو اقرب إلى الاستثمار السياسي..!
بينما ظهرت أقلام تدافع عن مشروعية الحوار، وكفؤية أداته التي ستترأسه، وهي أقلام استانفت رحلة التزلف كتابة في وسائط التواصل الاجتماعي، بعد أن جربته عمليا طيلة عمرها الوظيفي، وبحثها، يستند إلى خبراتها السابقة..!
ولكن هل يضمن ذلك لها الدخول في ورشة المصانع التحويلية للتدوير السياسي، باعتبار أنها كثيرا ما يقع اختيارها على فئة" المخلفات"، للأنظمة السابقة البائدة، لكن ليس كل العناصر التي وقفت مع أنظمة لم تراع أبسط حقوق المواطن، فقامت بتسريح الموظفين من الوظيفة العمومية، وذلك بدافع غريزة الجموح للسيطرة الإدارية لتيار الراحل ولد سيدي عبد الله رحمه الله، ومستشاريه، وباقي البطانة الفاسدة..!
وحالة، كهذه، إذا جاز التضمين، ك " مثل الذي ينعق بما.." لم يسمع إلا الحوار السياسي، ولا ما قبله، وما يعنيهم، إلا الطالب، وليس المطلوب، إلا عرضا، كمناسبة للظهور..!
نعم، هناك حوار سياسي، ونظام يغربل الطيف السياسي الذي سيحاوره، كما غربل أدوات صدئة، فأعاد تحويلها إلى مادة قابلة للأستعمال رغم رميها في النفايات، لكن لم تتناسوا أنها مدعومة من طرف تيار سياسي يمثل الدولة العميقة، وهو بمثابة المركب، المهندس لمصانع التحويل السياسي، وقبل هذه المناسبة، تواضع على التحالف مع الأنظمة، حتى تسقط، فيتبرأ منها..؟!
لكن أين من ذلك النفايات الإدارية، وقد انتهي عمرها الوظيفي،، فلا مبرر حسب التصور العام لهذا التطلع، أو الجشع من أجل إعادة التدوير، وحسبها ما سبق من حسن الثواب، لكن هل تشرب لبن (…) لمزيد من القناعة..؟!