لمن الالتزام الثقافي: للنظام، أو للمجتمع، أوللمثقف؟/ إشيب ولد أباتي

2021-09-14 09:46:26

في مقال بعنوان " الثقافة التزام،،أولا تكون" للدكتور محمد ولد عابدين في موقع موريتانيا الآن، تركيز ممتاز على التعريفات التي تساعدنا على أن نتخذ مقاله إطارا نظريا للمقال التالي الذي نقدمه للقراء، وللجهة المستقبلة، المتلقية، كما توقعت، وكما توقع الجميع النطق بالحقيقة المكررة للنسبة المتواضعة لدور الثقافة الوظيفية التي طالما كانت مختزلة للمشروع السياسي، والايديولوجيا المضمرة، ونضال الشارع الوطني في اطار محدودية هذا التقصير المعبر عن انطفاء شعلة الوعي في ظل الركود الثقافي، وتبعاته لفرز مظاهر الوعي الأعتلالي، كما يتراءى للمراقبين من اسبقية الوعي النخبوي على الحراك السياسي العام في مجتمعنا، وطورا يتوارى الوعي المستلب من طرف النخبة السياسية، حتى ليكاد  يغلب عليه ـ الوعي ـ الغياب الى غير رجعة، كما في مظاهرالسلوك لدى فئات المجتمع التي فقدت الأمل الى حد الآن في أن في بلادنا قوة سياسية مؤطرة بمشروع  التغيير الأجتماعي الانقاذي الذي يحافظ على ثوابت المجتمع ضمن تحديثه المطلوب..

 

إن العمل السياسي الوطني الحزبي، واكب تأسيس النظام السياسي ببرنامجين الأول طموح، والثاني نحصد نتائجه بعد ثلاثة واربعين عاما، وسعى قادتها لتأسيس نظام الحكم على مشروعين مختلفي الرؤى، وإن كان من الجائز وصفهما معا بأفضل مما تلاهما، فقد كان أحدهما حكوميا سعى قادته إلى الارتقاء بطموحهم إلى الاستقلال الوطني في محطات انتقالية بطيئة الانجاز.

 

 بينما كان المناضل الوطني الشهيد المرحوم "بوياكي ولد عابدين"  مؤسس حزبه " الوفاق" في مؤتمر بكيهيدي في العام 1956، يسعى لتحقيق مشروعه الثوري الذي لم يجد آلية لتمكينه خلافا للمشروع الوطني الذي قاده المرحوم "المختار ولد داده"، وأعلن عن  اطاره السياسي "حزب التجمع الوطني" في 58، وقد انبثق عن التوافق بين قيادتي الحزبين حزب موحد هو حزب الشعب في العام 61 الذي توقف نشاطه مع سقوط نظام الحكم بالانقلاب في العام 78 ،،

 

ونظرا للوعي التحرري العام، لحركات التحرر الوطني والقومي حينئذ، فقد عرفت بلادنا نموذجا تميز بوضوح الرؤية  في التصور المستقبلي في فكر الزعيم بوياكي، حيث كان وعيه السياسي، غير قابل لتدجين في مشروع استقلال وطني تحت المظلة الفرنسية، وتوجهاتها السياسية، ونهبها لخيرات البلاد، وهو النهب الذي كان محميا من طرف المشروع الداخلي بقيادتي السيدة الأولى وزوجها المرحوم المختار ولد داداه اللذين تبنيا مسئولية الاستقلال المشروط في رؤيتهما السياسية القائمة على موضوعية " التكيف" مع المعطى الوطني الذي ترفده الإصلاحات الجزئية، وقد بدأت معالمها مع تأميم شركة " ميفرما".  غير أن ثورية الزعيم بوياكي أبت عليه  قبول هذا المشروع شبه الميت، لذلك راهن على وضع حد للنفوذ الفرنسي، ولما لم يستجاب لطلبه، الأمر الذي جعله يستقيل من الحكم،، ولعل هذا أول مثال لتجسيد فكرة " الالتزام الثقافي  من أجل المجتمع، وليس من اجل المثقف خدمة للمصالح الذاتية التي يلجأ الى التعلل بها إ باعتبارها من اكراهات الحكم، التي يرددها لانهزاميون السياسيون في الوطن العربي، وليس في موريتانيا فحسب.

 

كما كان موقف ولد حرمة يتقاطع مع موقف الزعيم بوياكي من جهة تمسكه بالمبدأ الرافض للمشروع الفرنسي في موريتانيا، وعلى ذلك فموقف الأخير، يجسد مثالا خالدا لفكرة الالتزام الثقافي من اجل الوطن والمجتمع.

 

 وبعد هذا الرعيل من الوطنيين السياسيين المؤدلجين بفكر حركات التحرر الوطني، جاء دور الجيل الثاني الذي قاده " الكادحون"، وكان التحاقهم بحزب الشعب ليكونوا بمثابة واجهته اليسارية، مثالا مغايرا لما سبقه  في التأسيس لتجسيد فكرة: الالتزام من أجل المثقف، ولصالح النظام السياسي على حساب مبادئ المثقف، وضد مصالح مجتمعه، ولم يكن تغيير نظام الحكم بانقلاب 78، إلا بداية للألتحاق  بنظام الحكم من طرف قادة التيارات الوطنية والقومية، فيما " تسيد تيار الألتزام من اجل مصالح المثقف"، ذلك أن انظمة  الحكم التي توالت، لم تكن تحمل مشروعا وطنيا، ولا مدعية لتبني رؤى أيديولوجية حتى يتشارك معها المثقفين على هذا الأساس، حتى يكون التحاق بها مبررا، فقد كانت أنظمة فردية استبدادية، تابعة للهوس العسكري، أو مخططات فرنسا تارة، أو لأمريكا، كنظام معاوية الذي استوزر الانتهازيين من قادتي الكادحين، والقوميين، وقد تشيأوا في تبنيهم لجريمة " التطبيع" مع الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين، وعراهم  ذلك من لباس الوطنية، والقومية، ومن شتى قيم الوعي السياسي الحديث الذي جعلوه ورقة توت، سقطت مع تيار التبعية والفساد المالي، واستبعاث الوعي الجهوي، والقبلي، وتنامي الصراعات الفتنوية بين " لوبيات" الحراك السياسي، وهو معمي البصيرة بحالة الانكفاء، وتردي التسيير الذي كان قد استلبهم آخر مظاهر الوعي.

 

 ومنذ انقلاب 2005  في بداية الالفية الثالثة، تعددت الولاءات السياسية الحزبية، وترددت اصداء الدعوات اليائسة من أجل استعادة الوعي التياري الذي، ساوم بوعيه الرموز السياسية المدمنة على التعاطي مع الانظمة السابقة وفق بحث الأخيرة عن الفاعلين السياسيين بدلا من الخرجين، واصحاب الشهادات العليا ممن يوصفون ب" التكنوقراط" في التسيير المالي، والاداري،، ولعل ضيق أفق الوعي السياسي لأنظمة الحكم، وافتقادها رؤية توجهها نحوالتخطيط التنموي، هو الذي دفعها إلى البحث عن الوسطاء السياسيين في المجتمع المدني، وهو تفكير يستعاد به أدوار" ناظر" المزرعة في عصور الإقطاع الأوربي الذي كان  يقوم بالاشراف على التسيير في الاقطاعيات ومحاصيلها، وتدجين العمال، كأدوات للإنتاج  الزراعي،، ولذلك تنزع الرموز القيادية للاحزاب والتيارات السياسية في موريتانيا الى تفعيل أدوارها المفتعلة التي تخيف النظام السياسي بنفوذها التقديري، ومن هنا، يرتعب قادة الحكم، وعليهم تقديم " رشى" عربون للأستكانة الجماعية التي لا يملكها الوسيط المساوم بها، ولا المساوم من أجلها،،وهذا هو رأس المال الرمزي الوهمي لقادة الحراك السياسي الموريتاني، وآخر تقليعاتها، تلك المناورات الموسمية في التخفي وراء الالوان، والشرائح الاجتماعية، وذلك في انتظار المستجدات من " المقبلات" المنتظرة في المقترحات المهترئة التي  قد يرسلها الغرب الامبريالي الجاثم على ركاب عساكره في " مالي" المجاور.

 

إن عقم الوعي الحالي لدى النخب السياسية في المجتمع الموريتاني، يحتاج من الحراك الاجتماعي الى تفعيل الوعي السياسي، وذلك لتجاوز هذا التفريغ للوعي جراء الدعاية في وسائل التواصل الاجتماعي، والتعطيل الحاصل في الأداء، وإهمال الحقوق المدنية، واسناد المشروع الثقافي، الأمر الذي يستدعي توسيع مجال الوعي الوطني والقومي من طرف القوة الحية في الحراك العام، وهذا يساعد النظام السياسي في فهم آليات التغيير الأجتمماعي، وتحسين تدبيره للاستجابة لمطالب المجتمع، والفرد، وانقاذ مشروعي: 

الثقافة من التقوقع في مسارب التراث الميت.

وتوسيع مدارك نظام الحكم السياسي على مخاطر التبعية المدمرة.

فهل يتحقق ذلك في أفق المستقبل القريب؟