القيادي الناصري سيدى محمد ولد العيل يروى تجربته فى التيار الناصري

2021-03-24 02:20:00

فى إطار الحديث عن تاريخ الحركة الناصرية الذى بدأناه فى الأسابيع الماضية نستضيف لكم اليوم العميد الأستاذ سيدى محمد ولد العيل (1944 المجرية - تكانت) أحد المؤسسين الأوائل للتيار الناصري فى موريتانيا .. اشتهر بالاستقامة والتفانى فى خدمة بلاده عمل فى سلك التعليم معلما ومفتشا ومديرا جهويا للتعليم الأساسي ثم أستاذا فمديرا لعدة ثانويات.

.

 عرف فى الوسط التعليمي بالصدق والاستقامة كما عرف فى الوسط السياسي بنفس الخصال. . لا أحد يعرف الأستاذ سيدى محمد ولد العيل إلا ويثنى عليه خيرا

 

وكالة الرائد التقته وأجرت معه الحوار التالى:

 

س: متى ظهر التيار الناصري فى موريتانيا وعلى يد من؟؟

 

ج: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبيه الكريم ... أود فى البداية أن أشير إلى أن حديثي عن تاريخ الناصريين ونشأتهم فى موريتانيا سيكون مقتضبا، نظرا لعدة عوامل من ابرزها الوضع الصحي يجعلني غير قادر على السرد التسلسلي، ينضاف إلى لك ضعف الذاكرة، وعدم استعدادي للخوض فى الحديث عن عدة مراحل لم أكن حاضرا فيها .

وبالرجوع إلى سؤالكم أقول إن بداية ظهور التيار الناصري فى موريتانيا يمكن أن يقال إنها جاءت مع انتصارات جمال عبد الناصر فى حرب العدوان الثلاثي 1956ضد إبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، وسطوع نجمه كزعيم عربي إسلامي إفريقي يحمل مشعل التحرر ويحارب القوى الاستعمارية ... فى هذه الفترة بالذات ظهر شباب موريتانيون يتبنون مواقف الزعيم جمال عبد الناصر ويدافعون عنه .وكان من أبرزهم العلامة الراحل محمد سالم ولد عدود رحمه الله،  وكذلك المحامى محمدن ولد إشدو وآخرون. 

وقد لعبت أبيات العلامة عدود الشهيرة دورا بارزا فى نشر الدعاية لعبد الناصر والتعلق به فى الشباب الموريتاني وحتى الأوساط الاجتماعية

 

"ومدلة بالحسن قلت لها اقصرى == إن الجمال جمال عبد الناصر

 

بطل تفرد مصره فى عصره == بجماله من بين كل معاصر

 

أدنت له مصر القياد فأصبحت == تدنى جنى ثمراتها للهاصر".

 

وشاع حينها أن الإدارة الاستعمارية فى موريتانيا حاولت معاقبة العلامة عدود على أبياته هذه،  إلا أن الوجيه الاجتماعي الشهير عبدُ الله ولد الشيخ سيديا حال دون ذلك.

 

وكما هو معروف كانت الإدارة الاستعمارية فى موريتانيا عدوة حقيقية لعبد الناصر، وشديدة الحساسية من انتشار شعبيته وأفكاره التحررية فى موريتانيا فقد منعت إصدار عقود ازدياد لأبناء يحملون اسمه فى عدة مناطق من البلاد، كما منعت بعضهم من دخول المدارس.

وفى بداية الستينيات اتسعت دائرة الشباب القومي فظهرت أوجه شبابية جديدة من ضمنهم محمدو الناجى والمصطفى ولد بدر الدين والشاعر أحمدو ولد عبد القادر وفاضل ولد الداه. كما ظهرت نقابة المعلمين العرب التى كانت العمود الفقري لنشر الوعي القومي فى صفوف التلاميذ والأوساط الشعبية التقليدية.

كيف عشتم ارتدادات "نكسة 67" وتأثيراتها على الساحة الموريتانية؟

ج: - لم أعش اللحظة فى موريتانيا لأني كنت حينها طالبا فى الكويت، ولكن عندما عدت إلى موريتانيا فى العطلة وجدت الساحة انقسمت بعدي إلى قسمين: أحدهما  صدمته الهزيمة فاعتنق الفكر الشيوعي متأثرا بما حصل مع بعض قادة حركة القوميين العرب فى المشرق مثل نايف حواتمه وجورج حبش وربطوا بهم صلات وأصبحت الكتب والجرائد الشيوعية  تصلهم بسخاء وساعدتهم فى ذلك سفارات المعسكر الشرقي فى موريتانيا وعواصم بعض دول الجوار.

وهذا القسم يمثله قادة بارزون فى الشباب القومي من بينهم ولد إشدو وبدر الدين ومحمدو الناجى وأحمدو ولد عبد القادر وفاضل ولد الداه وآخرون .

أما القسم الثانى فقد بقي متشبثا بمواقفه عاضا عليها بالنواجذ رافضا أن تكون أي هزيمة عسكرية مبررا لتغيير المواقف السياسية.. وهذا القسم بقيت فيه أغلب القواعد الشبابية بالإضافة إلى قادة نقابة المعلمين العرب التى كانت الواجهة السياسية للاتجاه القومي فى الساحة الوطنية، والتى وقف بعض أعضائها البارزين (الشاعر محمدى ولد أحمد فال)  أمام الرئيس المختار ولد داداه فى مؤتمر العيون 1966مطالبا باالتعريب.

س: وماذا عن أوضاع الطلاب فى الكويت آنذاك وكيف كانت أجواء "النكسة" بالنسبة لكم. كطلاب فى الخارج؟

ج: الحديث عن السياسة فى الكويت لم يكن مسموحا به حينها.. وإن كانت الكويت من أبرز داعمي عبد الناصر بسبب موقفه المؤيد لاستقلالها، وقد استقبلت الكثير من العمالة المصرية بما فيها المعلمون والأساتذة وهو ما كان له الأثر الطيب فى نشر الفكر الناصري فى الساحة الطلابية.

بالنسبة لنا كطلاب كانت وضعيتنا جيدة وكان مستوى التدريس جيد... لم نكن نخوض فى السياسة ورغم ذلك كانت المواقف معروفة. ولم نتلق أي مضايقة من إخوتنا فى الكويت.

س: كم كان عدد الطلاب الموريتانيين فى الكويت ساعتها ؟؟

ج: الكويت قدمت لموريتانيا 50 منحة سنة 1964 وكان من بينها 20 منحة خاصة بالتكوين فى معهد المعلمين بالكويت، وكنت من بين هذه العشرين. أذكر أنني كنت طالبا فى معهد بوتيلميت فى السنة الدراسية 64- 65 فجاءنا مدير المعهد المرحوم محمد ولد سيدى عالى وأبلغنا بأن عشرين طالبا ستتوجه إلى الكويت وستختار على أساس تفوقها فى الدراسة وقد تم اختيار الــ5 الأوائل من كل قسم .. فتوجهنا إلى نواكشوط ومنها  إلى الكويت وقضينا أربع سنوات فى معهد المعلمين هناك وتخرجنا فى السنة الدراسية 69-70 .

س: من تذكر من هؤلاء ؟

ج:  أذكر مجموعة منها الرشيد ولد صالح رحمة الله عليه ومحمد فال ولد محمد ءاب وسيدى ولد اطفيل والامام ولد خير انتاجو ومحمد سالم ولد حي ومحمدن ولد محمد موسى واللوه ولد محمد موسى وبال محمد البشير ومحمد ولد سيدى محمود .

س: ماذا عن نشاطكم بعد عودتكم إلى الوطن ؟؟

ج: بعد عودتي أصبحت معلما وكنت إلى جانب اثنين من زملائي هما أحمدَ ولد مد الله ومحمد فال ولد محمد ءاب نقوم بتقديم دروس فى المنازل لمجموعات من طلاب المحاظر حديثي العهد بالمدينة،  جاءوا إليها من أجل المشاركة فى المسابقات الوطنية ... كنت أنا أقدم لهم دروسا فى الرياضيات والعلوم الشرعية وكان محمد فال يدرسهم التاريخ والجغرافيا فيما كان أحمد ولد مد الله يدرسهم العلوم اللغويية. وإلى جانب هذه الدروس كنا نناقش القضايا الوطنية والعربية ونؤطرهم .

فى هذه الفترة كنت أسكن مع ابن عمي محمد الأمين ولد ماء العينين (صفحي بإذاعة موريتانيا ) وكان ياتينا مفوض شرطة يعمل بالمفوضية المركزية المقابلة للإذاعة الوطنية تربطه زمالة بمحمد الأمين. وذات مرة جاءه وقال له إن ابن عمك الذى يسكن معك يقوم إلى جانب زميله ولد محمد ءاب بتشكيل تنظيم ناصري مناهض للدولة وقد فتحت الشرطة لهم ملفا تتابع فيه تحركاتهم . فاستدعاني محمد الأمين وأبلغني الخبر فرددت عليه بأن ما يقول المفوض لا أساس له من الصحة فكيف لمعلمين لا حول لهما ولا قوة أن يهددا أمن دولة .. وأن كل ما فى الأمر هو أننا نقوم بتقديم دروس منزلية لمجموعات شبابية قادمة من البدو تسعى لدخول الحياة العصرية وأننا نقدم لهم هذه الدروس لنساعدهم على دخول المسابقات وأن هذا الجهد يصب فى مصلحة الدولة لأننا نسعى لمدها بطاقات شبابية قادرة على خدمة وطنها.

س: بعد هذا التحذير توقفتم أم غيرتم الأساليب؟

ج: لا هذى ولا تلك .. . لم نتوقف ولم نغير من أساليبنا... واصلنا تقديم الدروس فى المنازل للمجموعات ونجح أغلبهم فى مسابقة ختم الدروس الإعدادية (ابريفه) وكانت أول "ابريفه" عربية فى موريتانيا نظمت سنة 70 أو 71 على ما أذكر .

س: هل تعرضتم من قبل النظام لمضايقة فى عملكم ؟

ج: لا أذكر شيئا له بال من ذلك القبيل.

س: كان هناك تنسيق بين الناصريين والبعثيين وحتى الكادحين فى بعض المواقف هل توليتم مسؤولية فى هذا التنسيق:

ج: شخصيا لم أكن مهتما بالسياسة بمفهومها المحلي "ابلتيك" وبالتالى يمكن أن يقع شيئ من هذا القبيل دون استشارتي وحتى دون علمي..  بالنسبة للكادحين لا أذكر تنسيقا جمعني بهم فى تلك الفترة وبالنسبة للبعثيين أذكر أنني دخلت معهم فى نقاش حول توحيد الجهود فى انتخابات نقابية وكان من أبرز المتحدثين باسمهم المرحوم اند حبيب الذى سيصبح مفوض شرطة فيما بعد (قتل فى محاولة 16 مارس 1981 ) ولم نتفق بسبب رفضهم لكتابة البسملة فى مقدمة البيان المشترك.

س: بعض القيادات الناصرية شاركت فى مهرجانات ومؤتمرات لحزب الشعب هل كنتم ممن انتمى للحزب آنذاك؟

لا . لم أنتم لحزب الشعب يوما وكنت ممن يرى أن التحزب غير مناسب بالنسبة للثوريين؟

س: سنة 1977 نظم أول مؤتمر للناصريين وأسندت رئاسة التنظيم فيه لزميلكم أحمد ولد مد الله هل كنتم من ضمن المؤتمرين؟

ج: لا أتذكر أنني حضرت هذا المؤتمر  لأني كنت حينها فى الداخل.

س: سنة 1978 نظم مؤتمر ثان للناصريين وأسندت لكم شخصيا رئاسة التنظيم الناصري فماذا عن هذا المؤتمر؟

ج: كما قلت لكم فى بداية حديثنا هذا أنا لم أعد أتذكر الكثير من تلك الأحداث .. وكل ما فى الأمر أن الجماعة كانت لديها لجنة إدارية تنسق العمل وتسند رئاستها لأحد الزملاء وقد يكون حاضرا وقد لا يكون ... أذكر أنها أسندت فى بعض المرات للمرحوم الرشيد وكان غائبا . أنا سنة 1978 كنت مديرا جهويا للتعليم فى لعصابه وقد يكون الزملاء أسندوا لي المهمة فى غيابي وهذا أمر عادي.

ماذا عن موقفكم من انقلاب العاشر يوليو 1978 ؟

ج: كنا مؤيدين له نظرا لسوء الأوضاع وانسداد الأفق.

س: اعتقلتم إلى جانب أربعة من زملائكم نهاية سنة 1980 بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري ترعاه ليبيا حسبنما قالت السلطات حينها وبررت ذلك بأنكم كنتم فى لقاء مع قيادي ليبي فى منزل السفير الليبي بنواكشوط .. فماذا عن تلك التهمة، وماذا عن ظروف الاعتقال؟

ج: التهمة لا أساس لها من الصحة. وبخصوص الاعتقال وملابساته .فقد كنا خمسة: الطالب ولد جدو ومحمد فال ولد محمد ءاب والسني عبداو وسيدى ولد محمد عبد الله باللإضافة إلى المتكلم. تم اعتقالنا بداية شهر دجمبر سنة 1980 وتم سجننا فى مقر الحماية المدنية بلكصر وأشرف على التحقيق معنا خمسة مفوضين هم: المفوض المركزي يومها اند حبيب وانكراني ودداهي ولد عبد الله واسماعيل ولد محمد يحظيه وحمود ولد الخرشي وتلقينا من صنوف التعذيب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت... تولى كبره حمود ولد الخرشي وانكراني بمباركة من المفوض المركزي اند حبيب، أما المفوضان الباقيان فقد اقتصر دورهما على التحقيق وتفتيش المنازل .. أذكر أنه فى إحدى الليالي كنت فى حصة من التحقيق مع المفوض اند حبيب فسألني هل دخلت اجتماعا سياسيا قط فرددت عليه نعم دخلت فى اجتماع سنة 72 مع جماعة بشأن تنسيق موقف من انتخابات نقابية وفشل بسبب رفض البعض كتابة البسملة فى المحضر المتوج للاجتماع (كان هو من رففضها فى اجتماعنا مع البعثيين) فتبسم المفوضون وطأطأوا رؤوسهم فأحرج هو غاية الإحراج.

وذات ليلة سال مفوض آخر محمد فال ولد محمد ءاب هل أنت ناصري فرد عليه نعم أنا ناصري وأنت بعثي فتبسم المفوض وأنهى الاستجواب.

س: كم قضيتم فى السجن وما هي المواضيع التى تمحورت حولها الأسئلة؟

ج: قضينا شهرا كاملا فى السجن تحت التعذيب وكانوا يسألوننا عن الانقلاب وعن علاقتنا بليبيا وهل تنوى تنفيذ انقلاب فى موريتانيا ومع من ننسق ... وكانت ردودنا دائما هي أننا لا علاقة لنا بشيئ  ولا قدرة لدينا على تنفيذ الانقلابات وكان هذا يغيظهم وخاصة المفوض خرشي فيقول لزبانيته اقتلوهم فينهالوا علينا بالضرب والركل حتى نفقد الوعي.

بعد شهر - حسبما وصلنا من أنباء بعد ذلك -  تمت مناقشة قضيتنا فى اجتماع مجلس الوزراء فقال الرئيس هيداله لوزير الداخلية أطلق سرا حهم (ريحونى من شوفتهم انتوم ما اجبرتو اعليهم ش) فقال له أحد الوزراء أرجو منكم أن لا تردوهم للأقسام فلهم دور بارز فى تحريك إضرابات الطلاب فتم وضعنا تحت الإقامة الجبرية كل فى مسقط رأسه. ومكثنا هناك حتى الــ16 مارس 82لا(تاريخ المحاولة الانقلابية التى توفى فيها أحد المفوضين)  فتم استدعاؤنا إلى نواكشوط فأطلق سراحنا وعدنا إلى أماكن عملنا.

س: ولكنكم اعتقلم أيضا فى بداية سنة 1984 فما الأسباب؟

ج: صحيح تم اعتقالنا نخن الخمسة وأضيف إلينا اثنان هما أحمد ولد الطلبه والداه ولد اخطور ولكننا هذه المرة لم نخضع للتعذيب ولم يطل سجننا فتم نفينا مرة أخرى إلى قرانا الأصلية تحت الإقامة الجبرية ، وبقينا هناك حتى انقلاب ولد الطائع 12 - 12 - 1984 حيث تم إطلاق سراح جميع الناصريين المعتقلين والخاضعين للإقامة الجبرية.

س: وماذا عن فترة ما بعد اعتقالات 84؟

ج: سؤال ينبغى أن يطرح على الجميع.. بالنسبة لي شخصيا ، وكما قلت فى السابق، أنا لم أكن من أهل السياسة بالمفهوم المحلي "ابلتيك" ولم أكن من هواتها .. لقد تم تحويلي بداية سنة 85  إلى الداخل مديرا فى التعليم الثانوي وتنقلت بين عدة ولايات وانقطعت نهائيا عن السياسة والسياسيين باستثناء أشخاص قليلين تربطني بهم علاقات خاصة. ومع ذلك لم أتنازل عن قناعتي بضرورة التعريب وإصلاح النظام التربوي وحل جميع المشاكل التى تعيق مسيرتنا كدولة لديها الكثير من المقدرات ومع ذلك ما زال أزيد من 90% من مواطنيها يعيشون فقرا مدقعا ، مقابل ثلة تعد على رؤوس الأصابع تستحوذ على جميع ثروات البلد.

وكالة الرائد: أشكركم

أجرى الحوار أفلواط الداهى

-----------------------------------------------------------

فى الحلقة القادمة نستضيف لكم - بحول الله - أحد القادة المؤسسين فى التيار الناصري