تأملات في سورة الكهف

2020-03-15 17:57:00

نزلت سورة الكهف قبيل الهجرة إلى الحبشة، وفهم الصحابة أن السورة تؤهلهم لما هو قادم من تضحيات الفرار بالإيمان الذي يجب أن يكون شاغلهم الأول قبل التمسك بالأرض،

.

فالمؤمنون في مكة يعيشون ظرفا مشابها للظرف الذي عاشه فتية الكهف، من الاضطهاد وغياب الأمل، لذا جاءت السورة لترسخ معنى وجود إرادة قاهرة لا يعجزها شيء هي التي تتصرف في الكون، وأن على المؤمنين أن يثقوا في ربهم، وألا يقفوا عند ظواهر الأشياء، فالأمور تجري بقدر الله الغالب، الذي يجب أن يعتصموا به دوما، لذا لعبت السورة وقت نزولها دورا في التأهيل لما هو قادم من عظائم وشدائد.

وفي السنة النبوية حث على قراءة السورة يوم الجمعة، وحفظ بعضا من آياتها حماية من الفتن القادمة خاصة فتنة الدجال، وقد استرعت السورة انتباه المفسرين والمصلحين فأفردوا لها كتبا للبحث في معانيها، ودورها في التربية والإصلاح، ومن بين هؤلاء جاء كتاب “الصراع بين الإيمان والمادية: تأملات في سورة الكهف للشيخ أبو الحسن الندوي، مستعرضا تأويلا جديدا يفتح أبواب النقاش حول عطاءات القرآن، والقدرة على الإنطلاق منه لفهم الحضارة المعاصرة.

الفتنة هي الأساس

النقطة التي ينطلق منها الندوي في تأمله هي الفتنة، ورأى أن افتتان الكثيرين بالحضارة المادية، وتراجع الإيمان، أزمة كبيرة، وأن سورة الكهف هي أكبر ترياق للوقاية من مضارها، فمن يتشرب معانيها ومراميها يُحفظ من هذه الفتن، وتشرب المعاني من مداخله: التدبر والحفظ وكثرة التلاوة مع انتظامها.

جمعت السورة بين الوعظ والإرشاد، والقصص والتوجيهات والأمثال، وهي تختص بمعالجة موضوع واحد هو الصراع بين المادية والإيمان، فالحضارة المادية التي ولدت في القرن السابع عشر، ووصلت أوجها في القرن العشرين، برأيه، هي فتنة الدجال التي حذرت منها أحاديث نبوية، فقد اتسمت تلك الحضارة بالتدجيل، والتلبيس على الناس، وتمويه الحقائق، والاختلاف بين الظاهر والباطن، بعدما استبدلت الأديان بفلسفتها، حتى بات نقاش شعاراتها رجعية بعدما أضفت القداسة عليها، فالروح المُدلسة  في تلك الحضارة تسير في خط مغاير لخط النبوة، فهي تعتمد على الحواس في إدراكها، كما أنها شغوفة باللذة والمنفعة العاجلة، وتلك الأمراض تعالجها سورة الكهف.

السورة في آيتها الأولى تحذر من العوج الذي أصاب الأديان والرسالات قبل الإسلام، وأكبر هذا العوج إدعاء أن لله ولدا، فهذا الإدعاء الأثيم هو نقطة الانحراف الكبرى التي تكاثفت وتكاثرت حولها بقية الانحرفات، كما أن السورة تحذر من الشغف بالحياة ومتعها والحرص على إطالتها، والاستغناء بها عن الآخرة والقيم والمعاني الكبرى، لأن ذلك أساس المادية الجاحدة المحجوبة عن الغيب والإيمان، وأمام هذا النهم المادي جاءت الآية الكريمة لتؤكد الارتباط الوثيق بين الزينة والحياة الدنيا ” إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، فالسورة جاءت لتستأصل جذور المادية من النفس الإنسانية، وتحارب أكبر دعاتها وهو الدجال الذي يلتقي في تكوينه المسيحية واليهودية، وهذا الدجال –برأي الندوي- هو الحضارة المادية التي ساهمت المسيحية واليهودية في نشأتها وإزدهارها.

القصص الأربع 

اشتملت السورة على أربع قصص، هي: قصة اصحاب الكهف والرقيم، قصة صاحب الجنتين، قصة موسى والخضر، قصة ذي القرنين، تنوعت أساليبها وسياقتها لكنها تدور حول العلاقة بين الغيب والأسباب، أو بين الإيمان والمادية، فالخالق سبحانه وتعالى هو مسبب الأسباب، ولا يمكن للسبب أن يتخطى الحدود التي رُسمت له، والسبب ليس قيدا على قدرة الله الطليقة، والأسباب وجدت لحكمة، كما أن إبطالها له حكمة، في حين يرى الماديون أن السبب ذو قوة قاهرة.

القصص الأربع في السورة تضرب الإيمان بالسببة، وتضرب فكرة اليقين في المادية والمحسوس في جذورها البعيدة في أعماق النفس الإنسانية، وتضع مكانها فكرة الإيمان الكامل بقدرة الله الغالبة في تسيير الكون، فالسبب ليس طليقا في الكون ولكنه مقيد بإرادة الله، كما أنه بجانب الأسباب المادية هناك أسباب معنوية يجب ألا يغفل عنها الإنسان، وهي أسباب لها قوتها وعنفوانها، ومن يؤسس حياته وحضارته وأسس اجتماعه وعمرانه على الأسباب المادية فقط هو متعلق بالزينة والبهرجة، كما أن حركته في الكون ستجد عنتا وعنادا مادام يغفل عن السببية المعنوية والإيمانية.

تكشف قصة أصحاب الكهف انتصار الإيمان على الأسباب المادية، فالفتية فروا بلا زاد من المدينة هربا بدينهم عندما وُضعوا أمام الاختيار الصعب: عقيدة بغير حياة أو حياة بغير عقيدة، فاختاروا العقيدة، فأفسح لهم الإيمان الرؤية وأخبرهم أن أرض الله واسعة، فخرج الفتية من المدنية وزينتها، ومن أسباب الحياة وتوفرها، ومن الوطن ودفئه، إلى كهف في البرية لم تلوثه الأنفاس، وعندما نفد زادهم القليل، أخلدوا إلى نوم طويل، فكان التغيير في مدينتهم، فأصبح طرداء الأمس هم أبطال اليوم بإيمانهم” لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ”  في انتصار الإيمان على المادية، وانهزام الإيمان بالسبب أمام الإيمان برب السبب.

يؤكد الندوي أن الغلو والتطرف هو سمة الحضارة المادية، وهو تحذير أوردته السورة في قوله تعالى:” وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا”  أما العدل والسداد فهو ميزة هذا الدين والحضارة المنبثقة عنه، لذا جاءت قصة صاحب الجنتين باعتبارها من أكثر القصص وقوعا ومشاهدة في الحياة، قصة رجل توفرت له أسباب السعادة والنعيم فقادته إلى الطغيان ونسيان الإيمان، في مقابل شخص مؤمن لكنه قليل المال، ويكشف الحوار الذي أوردته السورة بين الرجلين أن منطق المادة متهافت يرى ظاهر الأمور، ويعتبر أن حيازة المال والرخاء هو معيار القرب من الخالق سبحانه وتعالى والخلود في الدار الآخرة، لذا نبهت السورة إلى أن الغاية ليست امتلاك الأسباب المادية، وإنما الغاية عدم الإشراك بالله بتلك الأسباب، لذا يجب أن يفوض الإنسان أمره لله مؤمنا بحوله وقوته، ” وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ  فالقوة والمشيئة هما بيد الله سبحانه، واعتماد الحضارة على وسائلها المادية فقط يزيدها شرودا عن خالقها، لذا فقوله تعالى :” وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ  هو منهج للأفراد والحكومات والأنظمة السياسية والمجتمع، فروح الحضارة يجب أن تكون مفعمة بالإيمان بالغيب لأن ذلك ما يميزها عن الحضارة المادية المؤمنة بالسبب.

يرى الندوي أن وثنية هذا العصر هي الإيمان بالمادية والافتتان بالسببية، فتلك هي الأرباب الجديدة في الحضارة المعاصرة، وتلك هي الوثنية التي حاربتها سورة الكهف، لذا عقدت السورة مقارنة بين الزينة وبين حقيقة الإيمان وعاقبته في قوله تعالى” الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا فالمادية تتعارض مع التعاليم السماوية وتعاليم النبوة، والحياة الدنيا ليست هي المنتهي، وليست هي كل شيء لذا لا يجب المبالغة في تمجيدها وتقديسها، وهو ما سعت السورة لترسيخه ، فالرؤية الإيمانية تؤثر الآخرة على الدنيا دون تخريب للدنيا أو إنكار لأهميتها ودورها في الوصول إلى الآخرة، فمع هذا التوازن تستقيم الحياتين.

أما قصة موسى والخضر عليهما السلام، فما تلقيه في النفس هو أن وراء الأسباب قوى عظيمة هي التي تقدر الأشياء بحكمتها وطلاقة إرادتها، وأن الإنسان مهما أُوتي من علم وقوة لا يمكن أن يحيط بأسرار الكون وحكمة الخالق في تقديره، والقصة هي تحد للتفكير المادي الذي يلح أن الحياة هي التي يفهمها الإنسان، وأن الحقيقة هي التي يدركها الإنسان بحواسه، وهو درس للإنسان وللحضارة، لذلك ختم الخضر القصة بقوله:” ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً والتأويل في الإصطلاح القرآني هو الحقيقة، أما قصة ذي القرنين فهي الحضارة التي ترضى عنها السماء، الحضارة التي تجمع بين الإيمان والقوة، وبين الصلاح والإصلاح، وتسخير الإمكانات المادية لتحقيق النفع للإنسان وبناء المدنية الصالحة النافعة، التي ترحم الأمم الضعيفة، وتوظف القوة للدفاع عن الضعفاء وليس احتلالهم وقهرهم .

يؤكد الندوي أن طابع الحضارة الغربية هي الثورة على خالق الكون، ورفض الإيمان بالغيب، وتأسيس الحضارة على أسس مادية خالصة، فتلك الحضارة هي الفتنة الكبيرة والدجال الأكبر التي يغوي الناس ويصرفهم عن الإيمان، فصفة الدجال المركزية هي الكفر والإفساد، وجمعت تلك الحضارة بين “خفة الطير وأحلام السباع”، بين السرعة والقسوة والتوحش، ومع كل ذلك تشعر تلك الحضارة أنها تحسن صنعا بتوفير الأدوت المادية لراحة الإنسان ورفاهيته أو إشباع شهواته، لذا نقضت السورة  ذلك البرهان الفاسد  ” قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ، أما ختام السورة فكان مُعجزا إذ أكد على الحقيقة الكبرى، وهي: أن الإنسان مهما بلغ علمه فلن يستطيع أن يحيط بكلمات الله ” قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ، وهي آية تكسر كبرياء العلم وتعاليه وتجعله يتواضع أمام علم الله سبحانه، فلا يسير في طريق الطغيان.

إسلام أون لاين

.
المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122