من مأثوراتنا الشعبية أن قوما أصيبوا بالجنون إلا واحدا منهم، فأوثقوه يحسبونه المجنون، لأنه شذ عن مألوفهم!
في منشورات سابقة على هذا الحساب (حتى 05/ 10/ 2024) ورد ذكر الاثنين (اليوم) مجردا عن الإضافة سالما من العوامل المؤثرة فأوليته الألف كسائر المثنيات وما ألحق بها، وفي كل مرة (دون استثناء) يثير هذا الألف تعليقات تتراوح بين التخطئة والاعتراض والاستهجان والاستغراب والسخرية. وهي تعليقات تصدر عن قوم منهم من يلتفت إلى كلامه ("تؤكل ذبيحته" بالتعبير الشعبي) وقد خَفَّتْ مؤخرا (على العامّ على الأقل) لكنها باقية بشكل أو آخر. هذا في الماضي.
أمس رأيت صورة من قسم دراسي لا أعرف مكانه ولا مُدَرِّسه ولا الدارسين فيه، ولا شأن لي بهم، لكن سرني أنه أعطى الكلمة حقها، وقد واجهَتْه ثورة زرقاء وتنمر عارم دون حق نحوي، دعياني إلى نشر الصورة وذكر صواب الألف هناك (دون همزة تذيلته) فعادت التعليقات منتصرة للحن ومخَطّئة الصواب كالعادة، على نحو لم يخل من سوقية! أحدهم قال: "خلي عنك ذااااك" (فقط!) ولعله يرى هذا شاهدا على مرامه. وآخر قال: "بل فيه لحن لأنه علم على الحكاية "الاثنين" ولا يعامل معاملة المثنى" (دون ذكر مصدره مع الحاجة الماسة إليه!) وآخر جاء بمعيار جديد فقال: "كافيه من اللحن أن خلاف المشهور المتعارف عليه والمتداول".
هذا سوى من يرجح الياء، والله أدرى بدليله الذي أنصحه أن لا يكلف نفسه عناء البحث عنه.
من المفروض أن هذا المجال ليس مما يخوض فيه من هب ودب، ولا يحكم فيه بالذوق المجرد عن دليل، وأن المعترض هو الذي يأتي بدليله لا المعترَض عليه (البينة على المدعي) أما ولم يفعل أحد منهم (ولن يفعل) ولم يكفف أيضا عن الاعتراض وقفو ما ليس له به علم، فإنني أسوق أدناه جانبا مجهريا من مستنداتي في إثبات الألف في الاثنين رفعا؛ مكرِّرًا أملي في عدم العودة إلى هذا الموضوع..
الاثنان ضعف الواحد، وتجري عليه أحكام المثنى كما جرت أحكام الجمع الصحيح على العقود من عشرين إلى تسعين، كما لا أظنه يحتاج دليلا.
الأسماء الدالة على زمان أو مكان معربة، إلا ألفاظا معدودة كأمس وحيث. والبناء يحتاج إلى دليل، عكس الإعراب لأنه الاصل. وهي (أعني الأسماء المذكورة) معربة حسب العوامل، واشتهار ظرفيتها لا ينافي رفعها أو جرها عند اقتضاء ذلك. والاثنان على السبورة مذكور للتعريف به لا لكونه وعاء فعل (ظرفا) فهو كالمادة وكالموضوع؛ أي أنه بمثابة قولنا: محمد أصغر من سعيد وأكبر من خالد. قال الله تعالى: {شهرُ رمضان الذي أنزل فيه القرآن}. وقال عز وجل: {من قبل أن يأتي يومٌ لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} برفع الشهر واليوم كما يقضي به السياق.
اتفق النحاة على رفع الأيام المعبَّر بأسمائها عن أعداد (ومنها ما سوى الجمعة والسبت من أيام الأسبوع) بما ترفع به نظائرها، وزاد الفراء وهشام فأجازا النصب أيضا (مع الرفع طبعا) لكنه لم يسلم لهما، ومن ثم فالرفع إجماعي، والنصب مردود.
جاء ألف الاثنين في كلام اللغويين قديما وحديثا على نحو ما عيب عليّ من قبل، ويعاب الآن على المدرّس الذي لم أشرف بمعرفته، فمن له حجة تخطئهم فليأت بها، ومن عاب قولهم فليدعني في زمرتهم وليعذرني آن آثرتهم عليه.
قال سيبويه: فأمّا اليومُ الأحَدُ، واليومُ الاثنانِ، فإِنّه لا يكون إلاّ رفعاً. (الكتاب 1/ 414).
وقال رحمه الله: وإنما أوقَعَتِ العرب الاثنين في الكلام على حد قولك: اليوم يومان واليوم خمسة عشر من الشهر... إلى أن قال: فهكذا الاثنان كما وصفنا. (الكتاب 3/ 393).
وقال قطرب: وأَمَّا الاثنان فإِنَّهُما مُثَنَّيان (يعني اسم اليوم)، مِثْلُ رَجُلَيْنِ وغُلامَيْنِ، لا يُثَنَّيان (أي لا يقال اثنينان) ولا يُجمعان. فإذا أردتَ تثنيتهما ثَنَّيْت اليومَ فأَتَيْتَ على المعنى فقُلْتَ: هذان يوما الاثنينِ، ومضى يوما الاثنينِ. (الأزمنة، ص 34).
وقال ابن سيده يذكر أيام الأسبوع: وَالثَّانِي الاثْنانِ كأنَّهُ تَثْنِية الاثْنِ من التَّثْنِيَة وألفُه وصلٌ كابْنِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ قبل التَّسْمِيَة والجمعُ أثناءٌ. (المخصص 2/ 386).
وقال ابن منظور: كَانَ أَبو زِيَادٍ يَقُولُ: مَضَى الاثْنانِ بِمَا فِيهِ، وَمَضَى الثَّلاثاء بِمَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ الأَربعاء وَالْخَمِيسُ (لسان العرب 8/ 59).
وقال الفيروزابادي: والاثْنانِ والثِّنَى (كإلَى): يَوْمٌ في الأُسْبُوعِ. (القاموس المحيط، مادة "ث ن و" ص1267).
وقال الزبيدي ناقلا: أول الأيام عندهم يوم الأحد؛ بدليل هذه التسمية، ثم الاثنان، ثم الثلاثاء، ثم الأربعاء. (تاج العروس من جواهر القاموس 21/ 32).
فكل هؤلاء الأئمة الأعلام أثبت الف الاثنين في حال الرفع.. وهذه عينات فقط.
{فأين تذهبون}؟!
06 /10/ 2026