د. إشيب ولد أباتي
السؤال لم يطرح في زحمة الأهتمام بظاهرة الهجرة في أسبابها الداخلية، والخارجية، وتبعاتها على الأفراد، والمجتمعات، والأنظمة السياسية..
والسبب في غياب هذا الطرح، أولوية البحث في مسببات الظواهر الاجتماعية عند الباحثين، انتظار المآلات فيما تتوقف عليه الأوضاع من جهة، وكذلك تغليب الجانب التوعوي، التحسيسي، وذلك لفهم قيمة التفاعل الإيجابي في امتصاص الغضب، والخوف اللذين سادا إبان موجات رد الفعل، ومظاهر الأخير تجاه المهاجرين، والدعاية الموضوعية، للتخفيف من غضب الجماهير حتى النائم منها، لأنه إذا استيقظ يوما ما، فلن يتوقف عند حدوده الدنيا، وهذا ما غاب عن سدنة الغرب في قارتنا السمراء،، ولعل التوعية، جنبت بلادنا ما حصل في تونس من مظاهرات عمت أنحاء المدن التونسية للتنديد بالهجرة الخارجية، وبالمتسببن بها بعد اتفاقية الحكومة التونسية مع الإيطالية بخصوصها..!
ومع ضبط الحدود الموريتانية مع السنغال، ومالي، ظهر المشترك بين السلطات الوطنية، والرأي العام في المجتمع، وذلك للحد من تسلل المهاجرين، ولضبط الهجرة، وربطها بعقود العمل، والإقامة الشرعية..وهذا أخف الحلول ، وأكثرها كياسة…
وكان للهواجس السابقة مبرراتها، لذلك لا ينبغي تحميل الدعاية، والنشطاء، والمدونين المسئولية عن تجييش رأي العام،،
ذلك، أن الأحتلال الذي حصل على أحياء سكنية جديدة في الجزائر، كان عمالها أفارقة، قاموا بالسيطرة عليها، الأمر الذي أضطر كلا من الجيش، والدرك الوطني للتدخل العنيف،،!
كذلك كان للأشرطة الخارجية دورها في الدفع بالمهاجرين الافارقة من أوطانهم، وخاصة فئات الشباب الأفريقي من الجنسين، وبعضها تضمن تصريحات خطيرة، تقول إن المغرب العربي، هو من حق الساكنة السمراء النازحة من الأقطار الإفريقية الأخرى…!
…….
وقبل ذلك، لابد من التنويه بالدور الذي لعبته الدوائر الوطنية الرسمية، والإعلامية في وسائط التواصل الاجتماعي، وكل منها لعب دوره المقدر في الدفع بالمفوضية الأوروبية لنشر التوضيح الممتاز عن الاتفاق بين موريتانيا، والمفوضية الأوروبية، لكونها لم تتضمن ترحيل المهاجرين إلى موريتانيا، وهذا في حد ذاته، سيوقف تلك الدعاية المغرضة - لله الحمد - التي نشرتها المنظمات الأوروبية، والتبشيرية في الأقطار الإفريقية المجاورة التي روجت في وسائط التواصل الاجتماعي على أن الغربيين ببواعث رسالتهم الإنسانية تجاه الأفارقة، اتفقوا مع نظام الحكم الموريتاني، لتوطين المهاجرين الأفارقة في بلادنا، على أساسين: أنها دولة قليلة السكان، وغنية بالخيرات في ظاهر الأرض، وباطنها…!
ولعل هذا التضليل لن ينطلي في قادم الأيام، إلا على ضعيفي النظر من العامة التي اقتنعت، فقامت بطفرة من الهجرة المخيفة من مجتمعاتها نحو موريتانيا، غير أن الشباب الأفريقي انطلاقا من الاحتكاك به في المهاجر، هو أكثر وعيا من أن تنطلي عليه محاولة خداعه، ذلك أن ما وراء هذه الدعاية، هو الوقوع بإخوتنا في جحيم الترحال المكلف، وغير المنظم إلى موريتانيا، وباقي أقطار المغرب العربي، وهو ما لن يحقق للشباب الإفريقي طموحاته في انتزاع حقوقه المغتصبة التي يلاحق مغتصبيها، ومختلسيها، وسارقيها من بلاده منهوبة الخيرات من طرف الأنظمة الأمبريالية، و"سدنة" التابعة، وهي مجتمعة، المسئولية عن افقار افريقيا، ونهب ثرواتها منذ ثلاثة قرون، ولا زال الأفارقة يزرعون، بينما الأوروبيون يحصدون الغلال..!
وما لم يتخذ زعماء افريقيا، مواقف وطنية، لطرد الوجود الاحتلالي الغربي، وشركاته النهابة - لا الاستثمارية - والنقالة لخيرات افريقيا إلى المجتمعات الغربية.
فإن الذي يوقف ظاهرة الهجرة الإفريقية، هو إحداث مشاريع تنموية مستدامة، كما يؤسس لها الآن كل من الأنظمة الوطنية الرائعة في : " بركينا فاسو"، و" النيجر"، و" مالي"،و" غينيا" التي يقودها الجيل الثالث من القادة الثوريين الذين، سيحررون افريقيا من الغرب الأمبريالي - اللهم آمين -
ونحن في موريتانيا، نرفع من همم المجتمع، وذلك بالتطلع الى تغيير الوعي من السلبي، والاستكاني، الى الإيجابي، والمشارك ،الفاعلي في الشأن العام،،وهذا من واجبات القوة الحية في مجتمعات الوطن العربي، وافريقيا،، ومن ضمن الوعي الوطني والقومي، الوقوف الى جانب الانظمة الثورية، وتأييدها، والتطلع الى الحاضر الذي تتحرر فيها افريقيا على يد قادتها، بهكذا الأنظمة الوطنية التي تنشد الاستقلال، كما ندعو الى الاقتداء بها في الاهتمام بإقامة مشاريعها السياسية الاستقلالية فقد بدأت مسيراتها المباركة، والمثمرة، والشجاعة، والمشجعة،، وذلك لتحرير كامل أفريقيا، وإقامة مشاريع تنموية، تستغل طاقة الشباب، وتحد من الهجرة الخارجية، وتستثمر في مصادرالثروات الطبيعية، لإقامة الأقتصادات الإفريقية المستقلة، وفي سبيل تحقيق ذلك، نتفاءل خيرا لأبناء قارتنا، ونتطلع معهم إلى الغد المشرق، وإلى التفاعل الإيجابي، والجوار الأخوي المسالم، وذلك هو الذي يجعل حاضر، ومستقبل الأجيال امتدادا للتاريخ الاجتماعي المشترك واحياء لتياراته الروحية، والثقافية، والعقيدية، فالاسلام هو عقيدة افريقيا المسلمة، وأفريقيا المسالمة، وأفريقيا ببعدها الحضاري المشترك، وأفريقيا الحرة التي شارك في ملحمة تحريرها قادة حركات التحرر العربي، والإفريقي معا منذ خمسينيات القرن الماضي، كما شاركوا في طرد الاستدمار الغربي المباشر، وغير المباشر..
ولعل الطليعة الثورية من القادة المحررين، استأنفت حركة التحرير وظهرت بشائرها التي تستدعي آمالا جديدة في غد أفضل للأفارقة والعرب معا، واستعجالا منا لذلك الغد الواعد، نتساءل متى يتحقق ذلك؟
ولعل أفريقيا، في طريقها إلى تحقيق الاستقلال الوطني، بدلا من الاستقلال الزائف الذي دالت دويلاته نظرا للفشل الذريع لحكامها " سدنة" الغرب، منذ قيام الانظمة السياسية المسوخ، كأنظمة صورية بما للكلمة من معنى إيحائي بالتصورات المخادعة، والدعاية الزائفة، والإعلام، وهياكل انظمة الحكم المنخورة، وتغيير الوجوه التضليلية التي مارست العهر السياسي طيلة خمس وستين سنة من الآلام، والمعاناة، والحرمان، والأحلام المحبطة، والنتائج الصفرية..!
بينما أفريقيا المتحررة بقادتها الثوريين - وليس بالمتواطئين مع الغرب مهما حبلت الأرض بالخيرات، ولفظت الجبال صخورا من الحديد الذي لا يعرف لنهايته حدا، واخرجت الصحراء مثاقيل ذهبها، وفاضت الأنهار، والبحار ببراكين الطاقة - فلن يجدي ذلك نفعا، إلا للغرب، وسدنته الذين حطموا البنيات المجتمعية، وانظمتها الداخلية،، وقد فاقموا الأوضاع العامة بسياسة الجشع، وقصيرة النظرة، والعقل القبلي الطفولي بالأنانية الأستحواذية،، لذلك تضافعت موجات الهجرة من افريقيا إلى موريتانيا، ومن الأخيرة طوحت بشبابها المهاجر حتى أمريكا الشمالية، وأوروبا، ولن يختلف أحد في الحكم العام على أن هذه الهجرات في ظاهرها هي الوجه القبيح لأنظمة العمالة، والسفالة التي لا يكفي المشتكى لله تعالى منها، بل إن التوكل بعد الله، يحتاج إلى رفع مستوى الوعي، فلا خير في الأنظمة الفاسدة، سواء استوردت الهجرة الطاردة، أو سهلت الهجرة منها، أو أفحشت، وصدرت أبناء وطنها…!
……..
فنحن في المجتمعات العربية، والافريقة، هم الباقون رغم هذا التدمير الاجتماعي، والعمراني، والتشويه الممض لسمعة البلاد، ومكانتها في المحافل الدولية، وسيتصدر التدمير هذه الانظمة السياسية" المتحورة " رغم رغبتها الجامحة في البقاء، لكن جائحة الفساد، وانعدام المسئولية كفيلتان بالموت السريري الحالي، وسيتبعه، نظام آخر، ولو أنه مستنسخ منه، كما تعد له العدة، ومن أولى "التحور" القاتل، إسناد المسئولية للنفايات السياسية في النظام، كاسناد " الحوار السياسي" مع القوى السياسية الرثة خصيصا، واستثناء القوة التجديدة، المتطلعة للتغيير الإيجابي من الوطنيين، والقوميين الموريتانيين، حتى داخل نسق الديموقراطية الموريتانية المكلبة - بمعني التابعة للنظام، كما تتبع الكلبة الراعي - ، وذلك نيابة عن النظام وقادته، فبذلك، يحصل تحويل النظام بهذا العقل السياسي الأفتراضي "النفاية السياسية"، إلى أكوام من القمامة السياسية المتعفنة التي لا تفكر إلا في نفسها، لأن عقلها السياسي المحاور،، كان نائما في كهفه السياسي، كالمحنط الذي كان بصيص الضوء من كوتين صغيرتين، هما "الوعي الماوي"، و"الوعي الاشتراكي الفرنسي" في سبعينيات القرن العشرين،، لكن السؤال المطروح على قادة النظام قبل نخب الأخير الفاسدة بلا رتوش، هو هل هذا التحنيط للنظام غاب عن المستبعثين للنفايات السياسية قبل أن يغيبهم …؟!
………
وفي كل الأحوال، ستعيش الشبيبة الموريتانية، والافريقية رغم القوى الإقليمية، والدولية المتحالفة على سياسة الحيف، والتهجير القسري إن داخليا، أو خارجيا، وستنعكس ارتدادات هذه الظروف على الانظمة، كما يتأثر بها المواطن على والمجتمعات على حد سواء، والنواتج، ستكون متقاربة، تشريد، يرافقني سقوط نظام هناك، أو هنالك..
لكن ما دور الهجرة الداخلية، والخارجية في موريتانيا، وانعكاساتها على التباطؤ الملحوظ لحركة النهوض، قبل إحداث مؤشرات دالة على التطور الحداثي، ثم العصراني..؟
( يتبع)