إصلاح اللغة ولغة الإصلاح...../ الدكتور ابوه بلبلاه

2021-11-21 15:39:00

أسدِل السِّتارُ مساءَ أمس على فترةٍ من أكثر فترات نظامنا التعليمي وجدية في  العمل وموضوعيةً في الطرح ونجاعةً في المخرجات وتفاهمًا منقطع النظير على جعل المصلحة العليا للتعليم الموريتاني فوق كل اعتبار.

سادت طيلة أيام التشاور الوطني الخمسة المنظمة بقصر المؤتمرات نفس الروح التي سادت أعمال أيام التشاور الجهوية، جد وإخلاص، تناغم في الطرح وانسجام، تفاهم بين أبناء الوطن واحترام، مراعاة المصلحة العليا لأبناء الوطن مع الابتعاد التام عن التجاذبات السياسية "وأخواتها" التي عرقلت مسيرة تعليمنا آمادا طويلة وأعاقت مساره حقبا مديدة، هذه التجاذبات التي باعدت "باللغة" بين كل مكونات شعبنا وجعلت بعضنا ينفر من بعض أضحت "في خبر كان" بعد أن أجمع أبناء موريتانيا اليوم، بقصر المؤتمرات على مرأى ومسمع من أبناء موريتانيا، أن قوميتنا واحدة وأن لغتنا واحدة وأن أمنا واحدة هي *موريتانيا* كما أن ربنا واحد ودينَنا واحد ونبيَّنا واحد.

ذابت في القصر اليوم القومياتُ، كل القوميات، وامّحت "الدعوات المفرّقة" التي حالت "بيننا وبيننا"، بيننا وبين بناء وطن واحد وموحد، بيننا وبين أن نتفاهم بلغة واحدة تلم الشمل وترص الصفّ وتجمعنا "في" قلب نظام تربوي وطني مبني على "التوحيد".

اتفق المشاركون اليومَ على أن يتفقوا على التدريس باللغة العربية التي تؤلّف القلوب وتقرّب بين الشعوب، اللغة العربية التي تعترف بالآخر، بلغة الآخر بثقافته، بانتمائه العرقي، بوجوده، اللغة العربية التي تؤمن بالتعايش السلمي بين اللغات في محاورة راقية وفي مجاورة باقية، لغتنا العربية التي لا تدوس بالأقدام على لغاتنا الوطنية، ولا تسعى إلى أن تقوض بنيانها ولا أن تتجاهل كيانها.

سادت أعمال التشاور روح من الإيمان بالوطن جديدةٌ، تؤْثِر العام على الخاص، وتقدم المصلحة العليا للوطن على مصالح الدوائر الضيقة، المنغلقة على ذاتها، تلك التي تعتبر كل خطوة في سبيل الإصلاح التربوي وتوحيد مسار تعليمنا صيحةً عليها.

جرت جلسات التشاور في جو من العطاء العلمي والطرح الموضوعي لكل القضايا التربوية والتعليمية دون إكراه، دون عسف، دون تدخل ولا توجيه من وزير ولا مسؤول في الدولة سامٍ ولا حامْ.

خلت أيام المشاورات من *المطارشات* والمناوشات والمهارشات بين الأحزاب والخلايا والهياكل القديمة البالية للذين مردوا على إفشال كل ما من شأنه أن يضيف لبنة تقارب صالحةً في بناء صرح هذا الوطن الحبيب وتطوره وتطويره.

كانت لحظة فارقة حين بدأ أخونا *السالك ولد جدو* يتلو *التقرير النهائي* بنبرة واثقة بنفاسة المحتوى وجلالة الإجماع، وكانت القاعة، كلُّ القاعة، آذانا صاغيَة كأن على رؤوسنا الطير.

كان صمتُ جلال الموقف سيّد الموقف وكانت الأعناق تشرئبُّ لرؤية المكتوب في أوراق السالك قبل قراءته.

كان كل تقدم في قراءة التقرير يحمل معه انشراحا في الصدور وطلاقة في الوجوه في القاعة باديَيْن على الحضور، فقد وجد كلّ قوم في التقرير ضالتهم، فكبت أخوتنا *العياطون* ولم يجد للتقوّل سبيلا إخوتُنا *المرجفون*.

تلا أخونا *سمكا* التقرير باللغة الفرنسية تلاوة الحامل لأخبار جديدة حبلى بالمفاجآت السارة، فكان ما توقعنا: رضًا وقبولٌ في سلوك مدني مسؤول.

وقد تلقينا بالاستيعاب رسالةَ الخطب الرسمية التي تم إلقاؤها جميعا باللغة العربية الساميَة المتميزة بالسلامة والفصاحة، الخالية من التقعر والتلعثم والإغراب.

لقد كان حضور فخامة رئيس الجمهورية، السيد *محمد ولد الشيخ الغزواني* ورعايته لهذا التشاور مؤشرَ جد ودليلَ اهتمام بقضايا المدرسة الموريتانية وعلامةَ إيمان بضرورة إصلاح نظامنا التعليمي.

كما كان إشراف الوزير الأول، السيد *محمد ولد بلال*، على حفل اختتام هذه الأيام حاملا رسالة جديدة من فخامة رئيس الجمهورية إلى المشاركين بأن الحكومة الموريتانية تتابع عن كثب مخرجات التشاور وتعلق عليها الأمل بالاتفاق على إصلاح تعليمي جاد، موحد وبنّاء، وهو ما كان، بفضل الله أولا ثم بفضل ازدحام عقول خبراء ومهندسي التربية والتعليم من أبناء البلد، كل أبناء البلد، دون إسناد ولا تدخل من غير أبناء البلد.

وللإشارة، فقد حضر جلسات التشاور هذه  بعض خبراء إصلاحيْ 1973 و1979 من السابقين الأولين من مهندسي التربية والتعليم في البلد.

لقد كان حرص معالي وزير التهذيب الوطني وإصلاح النظام التعليمي، السيد *محمد ماء العينين ولد أييه* على تنفيذ *تعهدات* فخامة رئيس الجمهورية  الانتخابية في قطاع التعليم وراء ما تحقق من نجاح وما وصل إليه المشاركون من إجماع وطني جامع مانع.

كان معالي الوزير حاضرًا في قلب الحدث، حضورَ إسهام ومتابعة وتقويم، حضورَ تيسيرٍ لسبل النجاح وتمهيد لظروف العمل الكفيلة بإيصال مركب الإصلاح التعليمي مرساه وبتحقيقه أهدافه وغاياته عند منتهاه.

  فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

ابوه ولد محمدن ولد بلبلاّه.