الأديب أحمد أواه يكتب: ذِكرياتٌ لا تُنسَى

2022-11-07 16:24:37

في مُنتصفِ التسعينات؛ِ وَ على بُعدِ 3كلم إِلى الجنوبِ الغربي مِن عاصمةِ (إيگيدى) المذرذرة؛ كانَ  الوالدُ المختارُ بنُ سيدِ بنِ مُحمَّدفالْ بنِ نَختارُ (دادَّا علما) يُجهِّز لِحفرِ بِئرِ (الْمُيَسَّر  لَخظَرْ) رَغمَ شحٍِّ المَوَاردِ؛ وَ ضِيقِ الوَسائلِ؛ وَ انْعدامِ أيِّ تدَخُّلٍ مِن الجِهاتِ الحكومية التي كان قصارى جهدها توزيع معونات غذائية وملابس مستعملة في ٱطار ما يعرف بالاسعافات أو الهلال الأحمر والتي كانت طوق نجاة للكثيرين من سكان المنطقة رغم ما يشوب توزيعها أحيانا من غياب الشفافية والمحاباة والزبونية وهو مالم يكن ليغيب عن كل متابع غيور على مصالح السكان ومن انتدب نفسه ذبا عن حقوق المظلومين والضعفاء من أمثال الوالد دادا والذي سجل هذه المواقف في أدب يقطر رقة وعذوبة وطرافة من قبيل:   

 

هاذَ لسعافْ الٍُ موجود .. ايْحَانِ لَثْنَيْنْ    امَّلىِ

ويل وَلَّ لثنين ايعودْ .. ايْحاَنِ لَثْنَيْنْ    ايْوَلِّ

 

هِلالك يالصنگه ماروهْ .. ضِعافك هاذُ ماجَبْروهْ

وِالسٍكْرْانتظْروهْ اونظروهْ ..يُتيفَ بِيهْ     اوْ يُحَلً

وابلبنك كانو ينتظروهْ .. وافرغ ماشافولو   شلً

وابدهنك نظروه اوحكروهْ .. والكمحْ الٍ فيك ْ  اتلً

ماجبروهْ اوهاذَ صبروهْ .. للًهِ  عزً      وَجلً

 

وابگاو اسراويل انصارَ .. حرشْ اطوالْ ابلا   تملً

مسكين الضعيف الى  رَ .. منهم واحد مار   غلً..

 

كان من يُمن الطَّالع أنى كنت مع الوالد فى هذه الفترة؛ وكان عاقدا العزم على حفر تلك البير على غرار سابقاتها والتى لم تُكَلل بالنجاح.

كانَ ذالك العمل يتطلب الكثير من التضحية والعزيمة؛ وهي نعمٌ أَلبس اللهُ جِلبابها لذلك الرجل فكان شعاره: ((فإَذَاعَزَمْتَ فَتَوَكًلْ عَلَى اللًهِ)).

 بعد اجتماعٍ مصغر أخبرنا بضرورة جلبِ الحجارةِ لإنهاء الحفْر؛ فستصلُ الشاحنةُ في هذه الليلة؛ و ينبغى أن نكون على أهبة الإستعداد، فَمقالعُ الحِجارة علَى مسافةٍ تَستدْعي الزادَ الحقيقي و المؤونةَ الكافية؛َ و لم يكن موجودا لإِنجاز هذه المهمَّة سوى عددٍ قليلٍ من أفراد الأسرة و بإشرافٍ مِن رئيس الحي (المختار دادا)؛ ممَّا يعني رفعَ مؤُونة الكُلفةِ؛ فليس هناكَ مِن غريب بينَنا.

 بعد ساعات سمعنا دويًّا انْبعثَت منهُ أَضواءٌ سمعتُ أحَد كِبار السِّن بِقربي يقولُ: ((أصْبحنا و أصبحَ الملكُ لله..)) ظنًّا منه أنه إنبلاجُ الصبح؛ فأخبرتهُ: (هاذَ ظوْ الكَبيونْ)؛

فردَّ عليَّ (ءَاصلْ ماهِ):

 

وَتتْ مامُونْ الطًبْع اجناسْ .. نعرفْ عَنْهَ فَلِ مشهو    رْ

ماتَبْلَز ْعيْنِيهَ   فِالنا   سْ .. وابلاحسْ اوْ تمشِ بالشورْ..

 

فقلتُ:  من هو صاحب هاذ الگاف؟؟

 قال:  هذا (گاف المختار ذَ)..

 

واسترْسلَ في الكلام؛ فلم أوليه إهتماما؛ فقَد أثقل الكَرى أجفاني وَ في الغد رَكبنا وكثر الهرج فبَين مُتسلقٍ ومتألق؛ٍ قدْ وصلَ الْمبتغَى.

 أما أنا فبعدَ هرجٍ و مرجٍ وعرقٍ وَ خوف؛ٍ سقطتُ سقوطَ غيرَ المُتمرِّس؛ِ ضَحكَ البَعضُ و البعْض أسرَّها في نفسهِ.

رَكبنا ؛و كانَ السَّائقُ رجلًا لَبقًا؛ و إِن كان ممن يكثر المزاح؛ لكنْ لا تَثريبَ عليهِ سألْتهُ عن إسمه؟ قال: بوضوح و عفوية: (سِيدي)

وَ لم يَقل: 

أنا ابن جلاَ وَ طلَّاع الثنايا .. متى أضع العمامة تعرفونى..

 

بل قال: أنا رجل من أهل (النوار) رمت بي الأقدار لأكُون رَفيقكَم؛ خرجنا بكرة مُيمِّمِين ذلك المكان.

 يوم العاشِر من رمضان كانت الشاحنة تحمل فى مقدمها (المختار و بعض أَكابر الأسرة)

فيمَا وَسِعني و ثلَّة من الأَتراب الصندوقُ الخلفيُّ للشاحنة فقد آثَرنى قومي علَى أن لا تُزاحمَنى غير مطبَّات الطريق؛ و لِما قاسيتُهُ مِن معاناة؛ ورفعٍ في  غيرِ محلِّه؛ و نصبٍ بنَزْعِ الخافض؛ تمنيتُ أن أكونَ فى سفرية الأديب (الطيَّب) التي تطوي النوى رغم جحيمها؛ فترنَّمت بهذه الطلعة:

 

الوتاتْ اخلعنً هونْ .. فيهمْ شِ مايرفدْبالْهونْ

اولاَ ينفعْ محزونْ ؤُمجنونْ .. حدْايْجِيهْ ابْهَمٌ ممسوسْ

ذاكْ الِ منهمْ توْالْعَوْنْ .. ماهُ عنْ لِمًاجِهْ  مَدْسوسْ

ينفعْ فالساعات المحزونْ .. اهلوُينْعِزْلوُ بالدًبوس

شوفْ امْنَيْنْ ادْجِ فَماقون .. للراجلْ لكبيرْ الملموسْ

ماتجبرْمنوُكلمَ كونْ .. لعِتْ الٍ عاطِ  لِفلوسْ

لاهِ ادِيرَكْ فوْك الْكَرْطونْ .. اللورَ كيفْ الٍ محْبوسْ

لاَهِ بيكْ الدوسْ أعيجونْ .. اولاه بيك الحمان الدوسْ

اشمذاك أِكِتًكْ بَيْدونْ .. وِاشْمذاكْ اِكِتكْ  سكوسْ

ؤلاَتخْلَ منْ كَهْلْ ابْدَبشوُ .. فايْدُو  بيهْ ايْكِتكْ حابوُسْ

ؤُلاَتخْلَ مِنْ نطْحِتْ كَبْشُو .. ؤلاتخلَ مِنْ نَطْحِتْ  عَتْروسْ..

 

و على هذا النسق طوينا سبل الفيافي؛ إذ لم نمُرَّ بكثيب من كثبان الطريق غير الممهد إلا أخذ من وقتنا و جهدنا؛ فزادت المعاناة و العطش والنكد.

وبعد مقاساة استغرقت ما لم يكن فى الحسبان؛ تباشر القومُ بالوصول إلى هدفهم؛ و أصبح الشغلُ الشاغل بالنسبة لي كيف سأنزل من هذا الوحش المعدني المخيف؛ِ فما كان من القومِ إلا أن أعانونى بشفقةٍ؛ و عند النُّزول سجدتُ شكرًا لله

مكثْنا أياما لم أكن أتصور أن المهمة تستغرق تلك المدة؛ لكن بالنظر  الى حاجيات العملِ اتَّضحَ جليًّا أن اسْتخراج الحجارة و جمعها  يستغرقُ وقتًا؛ و رغمَ ما لقينا منْ حفاوةٍ وَ ترحيبٍ في مُختلف محطَّات الرحلةِ و ما حَظينا بهِ مِن إكرام و حسن ضيافةٍ في مختلف مراحلهاو هو أمر ليس بمستبعد من طرف سكان المنطقةِ؛ و ما جُبلوا عليهِ مِن سخاءٍ إلا أنه و لِتكتملَ عناصرُ الإثارة و المرحِ وَصلنا إحدَى الْأسر و التي لم تجدْ لإِكرامنا أبلغ مِن العيشِ لكنَّه كانَ مِن نوعٍ ءاخر فلم يكنْ (عيشْ افَّيطمَّات): علَى حدِّ تعبير اشريفْ ول السيد:

البارح فاخيمات .. اگلع منِّ لمبات

لبنْ ارخالِ وحدات .. مصبوب اعل حطَّ

من عيش افيطمَّات .. فاگديحه من يط

وَ احويلَ وَ اكْليماتْ .. ماتگدر        تخط

والليله    معمو      رَ .. هذان     نتوطَّ

فارواي مكزو         رَ .. واروايه          مخطَّ...

 

وَ لا عيشَ الولي الصالحِ العلامة لمرابط امحمد ول احمديورَه:

 

قد كنت أكتم قدما حب "كمكوما"     ==    فكاد يظهر ما قد كان مكتومـا

وكنت أحسبني "يابر " مصطــبرا         ==    عنها فأصبح ركن الصبر مهدوما

خود تنسي بمرآها إذا ابتسمــت         ==    «مدا من العيش مملوحا وميدوما»

 

أخبرتنا ربة المنزل بجاهزية العشاء؛ فاستقبلها الكلُّ بحفاوة لكنَّ الذائقة تختلف ألتفت الجدُّ قائلا : انتي (اسمك؟) قالت: (تسلم).

قال: (تسلَمْ انتومَ اهل إلاه مانْكم فارهين حتَّ)

فردت عليه: (كيفاش)؟

فأجابها: كانَ عليكِ أن تبحثي عن طريقةٍ لتغييرِ الطعم و لو بتعريضِ العيشٍ للدخان)..

(نَحن ذُ أهل الساحلْ امنينْ انعدلُ لعْش او لا انراو لُو لِيدامْ انديرُو فيهْ ريحتْ الدَّخَّان اياك حد ظاگُو يفهمْ عنُّ مَذاق)..

ضَحكت (تسلم) و أثار ذلك التعليقُ عاصفةً مكتومةً من الضحكِ جعلتْ البعضَ يَتسللُ لِواذا خارجَ المكانِ؛ و هو يُغالب الضَّحك..

 

رجعَ الكل؛ُّ و بِتنا نَتجاذبُ أطرافَ الحديثِ في سمرٍ عفويٍّ؛ أفادنا وَ كتبتُ منهُ هذا (لگطاع) بين محمد فال ول يسلم الأدهسي و محمد ولد ابنو :

 

قال محمد فال: 

امنادمْ جاك اتكد اتعود .. اشبهلو من يطرح لعمود

غير ايعود الا فالمريود .. اغبن محمد ول ابنو

ويل ماغبنو زاد ايعود .. محمد ول ابنو   غبن..

 

محمد ول ابنو

ذيك الطلعه شمت اوزلً .. من محمد فال     افملً

يغير اصً بلْ        العلَّ .. عودان امغنى فيه الفال

لا.كام اوخلاهَ     خل .. محمدفال  ابذيك الحال

ويل جاوبه زاد    الً .. حدُّ جاوبْ   محمد  فالْ..

 

محمدفال

اعليً رِجْلْ الشًمتْ ابعيدْ .. يعرفهَ لكريب اولبعيد

والشكر ال مافيه انزيد .. والفال الٍ محمد   كالْ

عنْ راصوُماذَوقتْ اجْبِيدْ .. اخبارُ وِ الرًاوِى  مزالْ

خالكْ والطلعَ    مُحمًدْ .. فيهَ تاركْ كَالْ   الٍ كالْ

محمدفال اوهوبعد .. اعكب جاوب محمد فال..

 

محمد ول ابنو

هاذِ طلعه زينَه  حتً .. وانت فيه كلت ال كال

يغير انت مزلت انت .. والحال الا مزال الحال..

 

هكذا كان الجد يمازحنا عندما يرى السآمة و الضجر؛ فيتبدَّد تعَبُنا هباءً و نعودُ أكثر همَّةً و نشاطا ؛و هكذا انقضت تلك المهمة الشاقةُ بسهولة و يسر؛

و عدنا بحمولتنا من الحجارة..

 لكنَّ الحفر سُرعان ما اصْطدم بعقبةٍ أخرى أكثر مشقة و هي (تدخال لگدور)؛ 

و هذا مَا سيكون موضوعَ سيَّاحتِنا المقبلةِ بحول اللهِ مع:

 

 ذِكرياتٌ لا تُنسَى

ؤتوف

احمد اواه