كتب إكس (سيدى محمد): طارت نون... مشاعرة ممو والذيب

2025-12-30 22:50:21

طارت نون

من أرشيف الصفحة

 

زار الشاعر أحمد ولد عبد الله ولد المختار ولد المحمود ولد محمذن ولد بو المختار الحسني (الذيب الصغير) ذات إدلاج معرس تلاميذ محظرة العلامة يحظيه ولد عبد الودود (ابّاه)، فقدم له التلاميذ إناء من لبن الإبل فشرب منه، وأراد أن (يلف گدمه) لهم بأن اللبن شيبَ بماء، فخاطبهم بأبيات ظاهرها طلب إعراب يحمل نكتة لغوية وباطنها هجاء فقال:

هل (تعربوا) لي يا تلاميذ الخلط :: حتى إذا جنّ الظلامُ واختلط

جاءوا بمذق هل رأيت الذيب قط..

 

فقال أبي ولد حيمود الجكني: طارتْ نونْ !

فأجاب ممو ولد عبد الحميد، أبيات الذيب وأراد تنبيهه إلى أنه حذف نون الفعل المضارع بدون تقدم ناصب ولا جازم، فقال:

يا من نأى مزار داره وشط :: أبشر إذا جن الظلام واختلط

بنزل ليس يراه من فرط :: فإننا لرحل طارق محط

وحذفها للجزم والنصب فقط..

والشطر: جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط

شاهد نحوي من أرجوزة للشاعر العجاج يهجو بها قبيلة غسان:

رحنا لغسان ومعزاهم تئط :: حتى إذا جن الظلام واختلط

جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط .

ومحل الشاهد فيه جواز النعت بالجملة الطلبية عند غير البصريين

أما البصريون فلا يجوز عندهم النعت بالجملة الطلبية، بل هو مؤول عندهم بقول محذوف.

قال في أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك:

وجه الاستشهاد: ظاهر الكلام، يفيد وقوع الجملة الاستفهامية "هل رأيت ... " صفة للنكرة: "مذق"، غير أن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن جملة الاستفهام معمولة لقول محذوف؛ وهذا العامل المحذوف؛ هو الواقع صفة؛ لأن التقدير: جاءوا بمذق مقول عند رؤيته: هل رأيت الذئب قط؟

قال ابن مالك:

وامنع هنا إيقاع ذات الطلب :: وإن أتت فالقول أضمر تصب.

وفي هذا البيت - والشيء بالشيء يذكر كذلك، - يقول الدكتور محمد المختار ولد اباه في كتاب "تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب":

ومن نوادرهم قصة: "وامنع هنا إيقاع ذات الطلب"، وذلك أن سيدة استضافت فتية من إحدى المحاظر، ولما قدمت اليهم قدحا من لبن الإبل أنشد أحدهما قول ابن مالك في باب النعت:

"وامنع هنا إيقاع ذات الطلب"

فأجابته السيدة قائلة: ليس الأمر كما تظن، وإنما هو رسل خُليفات هذا يومها من الشرب، ولم تصدر من المعاطن إلا قبل قليل.

فخجل الفتى من قولته ومن اتهامه الكاذب لربة المنزل أنها مذقت لهم الحليب، ففوجئ بأنها أدركت ما يريد أن يخفيه عليها بإنشاده لبيت الخلاصة، مشيرا إلى شاهد البيت المعروف وهو:

حتى أذا جنّ الظلام واختلط :: جاءوا بمذق، هل رأيت الذئب قط.

بعد أبيات ممو ولد عبد الحميد بدأت "النقائض" بين الرجلين، فقد أنشأ الذيب نونية: 

الحمدلله من قد صان ألسننا... 

وعدد فيها شواهد الحذف من كلام العرب.

وكانت بين الرجلين (الضميريات البسيطيات) قصيدة الذيب:

أأن تذكرت من عهد اللوى طلَلَه :: تناثرت عبرات العين منهملَه

وأجابه ممو بقصيدته: 

شاق الفواد فراق الغانيات وَلَهْ :: من زورة الطيف إذ زار العشاء وَلَهْ

و(الوافريات) يقول الذيب:

أأوْرثك التنائي من أماما :: ولوعا بالأحبة واهتماما

ودارت بينهما قصائد في المجتث يقول الذيب:

الصبر صار محالا :: منذ أصبح الربع حالا 

وأجابها ممو ابميمية:

عرفت ربعا قديما :: لدى الربا لن يريما

ثم خبا أوَارُ المشاعرة بين الرجلين وتصالحا وكف كلاهما عن الآخر .

ثم علم الشاعر أحمد بن عبد الله الحسني(الذيب) أن ممو مازال يعرض به ويغري به وأنه يفتأ يذكره بسوء، فدبّج واويته وأرسلها لأبي ولد حيمود الجكني، يسأله عن حقيقة الأمر ويتوعد ممو:

(أبي) أنت من قوم كرام أجلة :: غطارفة تنمى لحمير والأذوا

سألتك بالله الذي أنت تَيْمه :: ومن هو منا يعلم السر والنجوى

أما قيل من تجديد (ممّ) لذمنا :: على الغيب بعد الحكم ثابت اَم دعوى ؟

ورب المطايا الراقصات إلى مِنًى :: تُطير خِفافَ السير أخفافُها المروا

لئن كان ما قد قيل عن ممُّ ثابتا :: و ماقيل من إغرائه بيَ و الإغواء 

لأستلبنْ إن عاد عز قبيله :: بقافية شعواء توسعهم هجوا

 

ذاعت القصيدة، وعلم ممو أنها أصبحت حديث النوادي في بتلميت ففزع إلى شيخه العلامة يحظيه ولد عبد الودود (ابّاه).

فقال له يحظيه: أنا معك لكن أثلثنا بول متالي وأضمن لك أنك إن فعلت تيسر لك جوابه، ولن تدخل قصيدة الذيب مكانا إلا ودخلته قصيدتك.

 

توجه ممو إلى (انوعمرت) لزيارة العلامة الولي محمذن فال ولد متالي التندغي، ومكث ثلاثة أيام وأنشأ قصيدة في مدح ول متالي:

ألا إن حي الريع عنه تفرقا :: وأقوى محلُّ الحيّ منه وأخلقا

فأصبحتَ لاتُلفي بمنزلة اللوى :: من العِين إلا ربربا متورقا

وأصبحتَ لا تلقى إليهن صابيا :: من القوم إلا قانصا متعفقا

وكانت بها من رونق الحُسن مابها :: فلستَ ترى من ذلك الحسن رونقا

فظِلْتُ بها حيران أشكو بها جوىً :: تكاد به الأحشاء أن تتمزقا

كأنك لم تَطْرَبْ هناك ولم تلج :: على الكاعب الحسناء بيتا مُسردقا

ولم تر من عفراء حجلا مُفصما :: ولم تر من أسماء قرطا وشوذقا

ولم تسمعِ الأذنان تطريب منشد :: (أَإِن شمتَ من نجد بريقا تأَلَّقا؟)

ولا قينةً غنت لشَرْبٍ وأنشدت :: (لسلمتُ تسليم البشاشة أو زَقا)

ولم تنمِ الأيام عنا ولم نعِشْ :: لدى نومة الأيام عيشا مفنّقا

وكنتُ بها والبيض تعرفني بها :: فقد أنكرتني البيض مذ شبتُ مفرقا

وأصبح في لَيْلِي من الشيب شارقٌ :: تفرَّى ظلام فوقه و تفرقا

فإن جعلت غيري من القوم خدنها :: زجرت إلى باب ابن متالِ خيفقا

عُذافِرة يطوي المواميَ نصها :: إذا احدودب الصلب القوي وأحنقا

يسيل من الذفرى على دأَياتها :: إذا اخروَّط التهجير نِقْسا مُليَّقا

كأني إذا صرّ الجنادب بالضحى :: وجال السراب جولة فترقرقا

أثرت على الحَزَّان هيقا خفيددا :: من البزل أو أجريت أحقب سهوقا

إلى ماجدٍ سامٍ تعود جاره :: إذا رهق الجيران أن لا يُرهّقا

وقد أظهر الدين الذي أعجز الورى :: فأنجد ذاك الدين منه وأعرقا

ولم يتخذ يوما لأمر مَعاده :: من الزاد زادا غير زاد من التقى

وكم صام أياما وقام لياليا :: وأطعم أيتاما وأنقذ مغرقا

ألا إنني وافيت بابك مشفقا ::وكنت إذن في قيد ذنبي موثقا

ولي قيد ذنب خفت من أن يعوقنى :: إذا ابتدر القوم المرام فأسبقا

وزرتك من داء عضال ألم بي :: ولم تتخونه التمائم والرقى

وإني لأرجو الفك إذ أنا زرتكم :: أسرح من قيد الذنوب فأطلقا

وأن يبرأ الداء المضر بيَ الذى :: أطار الفؤاد المطمئن وأقلقا

وأن يصلح الدارين (لابّاه) والذى :: به من جميع المسلمين تعلقا

وإني أتيت القصر من شطر بابكم :: فلاتتركَن الباب دونيَ مغلقا

سقى الله مثواكم وأولى ضريحكم ::: سحابا برضوان الإله تعبقا

الواويات

قال الشاعر أحمد بن عبد الله الحسني(الذيب):

أشاقتك بالألوا معاهد من أروى :: بذي الرمْل أو ذي العبد ألوت بها الأنوا

وليلة برق بات يسري وملعب :: لقيت به والليل منسدل أروى

تقول ترى هذا البريق الذي شرى :: أأروى بذي النفعين قلت لها: أروى

فقالت أتدري كيف حال ربوعنا :: أألوى بها الدلويُّ؟ قلت لها: ألوى

فقلت: وأهواكم على طول بخلكم :: فقالت: أتهوانا؟ فقلت لها: أهوى

فقالت ومغنانا بمنعرج اللوى :: أأقوى خلاف العهد قلت لها: أقوى

فقالت: ويومَ البين جنبةَ ذي النقا :: أأشواك بيني عنك قلت لها: أشوى

فقالت وما ألوى بصبرك يومنا :: غداة بذي الأنواء قلت لها: الألوا

أذاكرة أيام نحن وأنتمُ :: بعدوته الدنيا وعدوته القصوى

فقلت لها: قد قلت فيك قصائدا :: فقالت: أيروى ذاك قلت لها: يروى

فقلت: أيرجى منك موقف ساعة :: فقالت: أنجوى ذاك قلت لها: نجوى

فقالت: فلا تعجل فتنشر سرنا :: إلى الليل إذْ سِرُّ الصباة به يُطوى

فلما طوى الضوءَ الظلامُ نحوتها :: ولم أدر في زعم الجعيل -إذن- نحوا

فما راعها إلا توجس زفرة :: كزفرة ثكلى آخر الليل أو أقوى

فقالت: مُجدٌّ؟! أنت تعلم أننا :: معاشر حُوَّاتِ اللَّمى وعدُنا يُلوى

فقلت: صليني قالتَ: أعرفُ وانبرت :: كما ماس خوط البان مستَنِما ربوا 

فظلت بنات الشوق تستن في الحشا :: كما استن إثر الذود مُقرَمُها الأطوى

فسلّيتُ همّي بانسلال شِمِلّةٍ :: مُضَبَّرةٍ حَرْفٍ وحسبُكها سلوى

أُجشّمها الديمومَ لما امتطيتُها :: كأنّي على فتخاءَ ضاريةٍ شغوا

وصيّرها سمراءَ بعد تَغبُّسٍ :: سُراها ومكتنٌّ من النَّجَدِ الأحوى

لعل تراميها يقرب ذا الندى :: (أبي) من له عن كل نازلة فتوى

(أبي) أنت من قوم كرام أجلة :: غطارفة تنمى لحمير والأذوا

سألتك بالله الذي أنت تَيْمه :: ومن هو منا يعلم السر والنجوى

أما قيل من تجديد (ممّ) لذمنا ::على الغيب بعد الحكم ثابت اَم دعوى ؟

ورب المطايا الراقصات إلى مِنًى :: تُطير خِفافَ السير أخفافُها المروا

لئن كان ما قد قيل عن ممُّ ثابتا :: و ماقيل من إغرائه بيَ و الإغواء 

لأستلبنْ إن عاد عز قبيله :: بقافية شعواء توسعهم هجوا

من المَثُلات الباقيات على المدى :: تهاوى بها الركبان في كل ما مهوى

فدونكمُ لا عن خضوع نصيحة :: لمن لا يرى يوما لشاعركم جدوى

فلا تتركوا أعراضكم لي مذالة :: فإني خشاش عند مجتلدي ألوى 

أدنس أعراض القبيل و لم يكن :: ليمنع مما قلته حضَرٌ بدوا 

و لكنّ أعراض الورى إن تعينت :: على حُرَم الآثام عمت بها البلوى 

صلاة و تسليم على القمر الذي :: تبلج من فاران طابته المثوى 

وأسأل رب العالمين بجاهه :: مجاورتي إياه في جنة المأوى

وقال الشاعر ممو بن عبد الحميد الجكني، ردا على الذيب:

طربت لرسم الدار شوقاً ولا غروا :: ورمت به مثوى وليس به مثوى

وقد لاح لي نؤي الأحبة جدولا :: فأفرغت فيه من دموع الأسى دلوا

و مما يزيد المرء في لاعج الهوى :: توهم رسم الدار من بعد ما أقوى

فحدث بتلك الدور واندب زمانها :: وبَلْهَ ربوعا بالنحائت من ضفوى

لقد كان ربع الدار للناس غبطة :: يقولون هذي عندنا جنة المأوى

ولي فيه قبل اليوم أكرم جيرة :: إذا زرتهم زرت المسرة واللهوا

فيارب يوم قد أقمت خلاله :: أناغي غزالا في بيوتهمُ أحوى

فشتت شمل الحي تنعاب حاتم :: شَحافاه بالترحال إثرهمُ شحوا

فبانوا وما عاجوا لوصل حبيبهم :: وأضحى الهوى للقلب بعدهمُ حشوا

فهل خلتهم رقوا لقلب كأنما :: حَماطته بالنار بعدهمُ تكوى

وقد يدرك الإنسان أقصى مرامه :: ولا يدرك الإنسان أدنى الذي يهوى

ألا بكرت أم الوليد تقول لي :: معاتبة في الحب عظ نفسك السهوا

فقلت لها لا تعذلي الصب إنه :: سواء عليه من هداه ومن أغوى

فقد أركبُ الهولَ المخوفَ رُكُوبُه :: وقد أزجر القَصوا إلى الغاية القُصوى

وقد خضت أطوار الزمان وأهله :: وقد ذقت من أيامه المُرَّ والحلوا

على لاحب كالبرد يضني جلاسه :: إذا سار فيه الوهم غادره نضوا

ومجْر كمثل الليل يسمو زهاؤه :: إذا ما بدا يحكي الشماريخ من رضوى

حطمنا غداة الروع في رهَج الوغى :: بفيلقنا الجأواء فيلقه الجأوا

فولوا وخلوا بالدوية كبشهم :: تنوش ضباع الجو من لحمه شِلوا

وكنت إذا حاربت حلف عداوة :: جعلت له الدنيا على طولها شأوا

فلما هجاني الذيب كان جزاؤه :: دواوين هجو ما استطاع لها محوا

إذا ما هجوت الذيب فيهن جاءني :: بتُرّهة كالهُجر خالفت النحوا

يضمنها لفظ البرابر عجمة :: وحيث حكى بيتين ساند أو أقوى

ولم يك ذا شعر ولكنَّ عنده ::أباطيل ما ينفك ينزو بها نزوا

ولم يك ممن يحضر المجد والنُّدا :: ولم يك ممن يشهد الحرب والغزوا

ولكنه في السائلين ودينه :: سؤال امرئ ما لا يجود به عفوا

كامل الود

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122