في خطوة استباقية لمواجهة التحديات الاقتصادية والظرفية الدولية المعقدة، قدم معالي الوزير الأول السيد/ المختار ولد أجاي، أمام الجمعية الوطنية، إعلان السياسة العامة للحكومة، واضعاً المحور الاقتصادي والتنموي على رأس أولويات الأجندة الحكومية للمرحلة المقبلة.
وقد مثل الخطاب خريطة طريق متكاملة تسعى إلى توفيق المعادلة الصعبة بين صمود مؤشرات الاقتصاد الكلي من جهة، وتخفيف عبء التضخم وتداعيات الأزمات العالمية على القدرة الشرائية للمواطنين من جهة أخرى، مع تدشين مرحلة جديدة عنوانها "التنمية اللامركزية" والتخطيط بعيد المدى في أفق 2060.
مؤشرات الصمود: نمو متواصل وانخفاض للدين العام
على الرغم من الاضطرابات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، كشف البيان الحكومي عن أرقام تعكس صمود الاقتصاد الوطني وقدرته على المناورة حيث سجل الاقتصاد الوطني متوسط نمو تجاوز 4% خلال الفترة (2019-2026)، وسط توقعات رسمية بالمحافظة على مستويات تتجاوز 4% خلال الفترة (2027-2029).
كما نجحت السياسات المباشرة والانضباط المالي في خفض نسبة الدين العام الخارجي إلى أقل من 40% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2026.
كما تمت إعادة توجيه الهوامش الميزانوية لصالح المواطن وتحسين البنية التحتية للبلد حيث استغلت الحكومة الفائض المالي الناتج عن ضبط الميزانية لتوسيع برامج الحماية الاجتماعية وتمويل أكبر برنامج استثماري موجه للبنية التحتية والخدمات الأساسية في تاريخ البلاد.
كما تم أيضا كبح التضخم وحماية الفئات الهشة من خلال دابير عاجلة، فرغم إقرار البيان الحكومي بواقع الضغوط المعيشية الناجمة عن ارتفاع مؤشر الأسعار التراكمي بنسبة 7.3% بين فبراير وسبتمبر 2026 (نتيجة تداعيات الأزمة العالمية).
وردا على ذلك، أعلن معالي الوزير الأول اليوم عن مسارين متوازيين يمتدان حتى منتصف عام 2027:
الأول: العمل على ضبط أسعار المواد الأساسية والمحروقات حيث ستتم مراجعة الآلية الحالية لتحديد أسعار المحروقات والغاز للحد من تأثر السوق المحلية بتقلبات الأسعار الدولية.
وكذالك الصرامة في تطبيق "تسقيف الأسعار" للمواد الأساسية (القمح، الأرز، السكر، الزيت) مع إدراج اللحوم رسميا ضمن القائمة المشمولة بالتسقيف، ومكافحة المضاربة والاحتكار.
الثاني: دعم القدرة الشرائية والأجور من هلال التكفل الجزئي والمؤقت بفواتير الماء والكهرباء للأسر الأكثر احتياجا واطلاق مفاوضات عاجلة مع الشركاء الاجتماعيين لرفع أجور عمال القطاع الخاص والمؤسسات الخاضعة للاتفاقية الجماعية بما يتناسب مع معدلات التضخم.
وأيضا تقديم دعم مالي وزيادات موجهة لذوي الرواتب والمعاشات المحدودة من الموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين.
من جهة ثانية كشف معالي الوزير عن توجه جديد لدى الحكومة بتوجيه من قخامة رئيس الجمهوربة يستهدف إنعاش الاقتصاد المحلي في الولايات الداخلية حيث شكّل التحول التنموي نحو الداخل أبرز ركائز بيان السياسة العامة للحكومة ، حيث م٦الي أكد الوزير الأول على ضرورة كسر مركزية العاصمة نواكشوط عبر خلق ديناميكية اقتصادية في الولايات الداخلية تستفيد من المزايا التفاضلية لكل منطقة:
حيث تعمل الحكومة على حل عقدة تمويل القطاع الرعوي والزراعي: من خلال وضع صيغ تمويلية جديدة تضمن تقاسم المخاطر وتفكيك شرط الضمانات البنكية التعجيزية أمام المنمين والمزارعين الصغار.
وكذلك إنشاء صندوق خاص لتشجيع الاستثمار والتنمية في الولايات الداخلية، بالتوازي مع تقديم حوافز ضريبية وجمركية للمشاريع المرتبطة بالسيادة الغذائية.
إضافة إلى إعداد مخططات عمرانية شاملة لعواصم الولايات والمقاطعات، وتطوير البنى التحتية الحضرية ونقل خدمات الصرف الصحي والتهيئة لمستويات حديثة.
وفي جانب البيئة الاستثمارية والشراكة بين القطاعين العام والخاص سيتم تعزيز دور القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو،
كما تضمن البيان الذي قدم معالي الوزير الأول استعراض الإصلاحات التشريعية الأخيرة التي تهدف إلى جذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية:
نثل إقرار مدونة الاستثمار الجديدة وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP).
واعتماد قانون المحتوى المحلي لضمان استفادة النسيج الاقتصادي الوطني من قطاعات الاستخراج والطاقة.
الإعلان عن التحضير لإطلاق مناقصات وأشغال مشروعات كبرى، في مقدمتها ميناء المياه العميقة بنواذيبو المقرر انطلاق أعماله في يناير المقبل.
كما شكل إصلاح الإدارة ورؤية 2060: الانتقال من الأفق القصير إلى التخطيط البعيد حبث ختم معالي الوزير الأول العرض الاقتصادي بالتدشين الرسمي لمسار إعداد "رؤية موريتانيا 2060" (تزامنا مع مئوية الاستقلال الوطني)، بهدف بناء نموذج تنموي يتجاوز أفق المأموريات والحسابات السياسية الضيقة، ويضمن تراكم الإنجازات وسلاسة الانتقال المؤسسي.
وسيرافق هذه الرؤية إصلاح إداري هيكلي يستند إلى فصل المناصب الإدارية التخصصية عن التعيينات السياسية، واعتتماد الترقية بناءً على الكفاءة والأقدمية وحسن الأداء، إلى جانب الاستثمار المكثف في التحول الرقمي والتكوين المستمر للكادر البشري.
إن هذا البيان يعكس تحولا جذريا في أدبيات السياسات الاقتصادية الموريتانية، حيث ينتقل التركيز من إدارة الأزمات العاجلة والتسيير اليومي إلى التخطيط على المدى البعيد والمتوسط إضافة إلى بناء قدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة محليا، وتوزيع ثمار النمو بإنصاف عبر دعم القدرة الشرائية وتعزيز النسيج الإنتاجي في الأرياف والمدن الداخلية.
احمد ولد محمدو
المستشار المكلف بالاتصال
وزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية