كتب الشيخ محمد محمود أحمد الشيخ فى تأبين فقيد الأمة العلامة محمد الحسن بن أحمدو الخديم

2026-09-07 18:35:47

أكرمني الله تعالى بالدراسة على الشيخ العلامة محمد الحسن بن أحمدُ الخديم سنين عددا ما انتفعت بشيء من العلم كانتفاعي بما درست فيها.

لقد نشأ الشيخ في أسرة علم وأدب وحملته همة سامية إلى المراتب العالية.

فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة * ولا في بيوت الحي بالمتولج.

لزم رُكَبَ العلماء حتى روِي وروى وحوى من العلوم ما حوى.

ثم نذر وقته للتدريس والتعليم والتأليف متفرغا لذلك لوجه الله تعالى لا يريد جزاء من الناس ولا شكورا.

يُذكرك سمته وهديه ودله بما تقرأه في الكتب عن أئمة الزهاد والعباد الصالحين.

تعلوه هيبة وسكينة مع دعابة لطيفة لا تخرج المجلس عن وقاره.

ومع ما في دعابته ومزاحه من الظرافة واللطافة فإنها لا تخلو من حكمة ونصح وبيان، أذكر مرة كنا في مجلس قراءة صحيح البخاري وكان مجلس البخاري يقام في المسجد بعد صلاة العشاء فمررنا بحديث يظهر منه أنه مشتمل على حكم يخالفه مشهور المذهب فاستوقفه أحد الحاضرين قائلا (هذا اثرو هو المشهور) فقال الشيخ (النبي صلى الله عليه وسلم ماه ماش اعل مذهب مالك).

كان يحتفي بطلاب العلم ويرحب بهم ويعينهم ويهون على غريبهم الغربة بالملاطفة والبشاشة والبر والإحسان. 

وكان رحمه الله لايرد طالبا ويستقبل الطلاب في كل الأوقات وأذكر أنه في بعض السنين قدم على المحظرة عدد كبير من الإخوة العرب خصوصا من دول المغرب العربي وكان بعضهم يقرأ كتاب أوضح المسالك وبعض الكتب الأخرى التي ليست من المقررات المحظرية فإذا استهل  الطالب كتابا من تلك الكتب يقول له كلمته المشهورة التي يقولها تواضعا رحمه الله وهي (سنتعاون عليه إن شاء الله) فإذا شرع في الشرح قرر المعنى على أكمل وجه وأوضحه بأتم بيان حتى إنه ليخيل إلى السامع أن الشيخ قد اشتغل بتدريس هذا الكتاب حقبا كثيرة.

كنا نستضيء بنصائحه وننتفع  انتفاعا عظيما بتوجيهاته أذكر أنني كنت أقرأ عليه ذات مرة طرة بن بونه فقال لي (هذو الحواشي اياك اعييت اتحاول تنظم منهم ش) فقلت له لم أحاول ذلك فقال لي (محاولة النظم مفيدة لأن الناظم لا يخلو من أحد احتمالين إما أن يكون نظمه حسنا فينتفع به وتنتفع به الناس وإما أن لا يكون كذلك فأقل ما يستفيده الناظم أن يحفظ تلك المسألة ولا ينساها).

وقد فتح الله على الشيخ في النظم فكانت أنظامه شعرا رائقا بديعا يطرَب منشدها  كأنه يترنم برقيق الشعر، فكان شعره شعرا بديعا ونظمه شعرا أيضا.

زرته ذات مرة بعد أن أنأتني مشاغل الحياة عن المحظرة فذكرت له انتفاع الناس بكتبه وأن الله تعالى وضع لها القبول فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قلت له إن المنهج المنتخب يحتاج إلى شرح يفتح مقفله ويبين معضله فقال لي عسى الله أن ييسر ذلك أو كلمة نحوها ، ثم رزته بعد ذلك بعد أن شرح المنهج شرحا وافيا شافيا وذكر لي أن الشراح الذين تقدموا أحرموا بما أحرم به المنجور  فكان شرحهم كأنه مجرد اختصار له وقد شفى الشيخ الغليل في المواضع التي كان فيها خفاء في الشروح السابقة.

 وشروح الشيخ شافية كافية يجمع فيها بين العناية بشرح المضمون وبين خدمة النص بتوجيه ما يحتاج منه إلى التوجيه وتصويب ما يحتاج إلى التصويب.

إن فقد الشيخ لمصاب جلل ورزء عامٌّ وحري به أن ينشد فيه قول أبي تمام

ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى * ويغمر صرف الدهر نائله الغمر

مضى طاهر الأثواب لم تبق بلدة * غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر 

وأن ينشد فيه قول الأديب الشعبي: 

يلال مفكر * مدَّ تمش تجهر 

لاه تردم لبحر* سبحانك يالقيوم

الا لبحر لخظر * بحر الساحل مردوم.

نسأل الله تعالى أن يتغمده برحمته الواسعة وأن يرفع درجته في المهديين في أعلى عليين وأن يبارك في بنيه وذويه السادة البررة العلماء ويبقيهم ذخرا للمسلمين.

الشيخ محمد محمود الشنقيطي.

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122