د. إشيب ولد أباتي: هل أصلت رواية ''الحدقي''، للنهضة الفكرية في موريتانيا بتيار عروبي ؟
والإجابة على السؤال، بنعم.د. إشيب ولد أباتي: هل أصلت رواية " الحدقي"، للنهضة الفكرية في موريتانيا بتيار عروبي ؟
و"الحدقي" عمل روائي ابدع فيه الشاب محمد فال الدين الذي شكل عمله الروائي نقلة نوعية في الرواية التاريخية العربية في موريتانيا، لأنها تجاوزت بموضوعها، وتقنياتها المشوقة، ما هو موجود من الكتابات الروائية إلى حد الآن، إذ تجاوزت المعطى الروائي الموريتاني الحالي، ونماذجه، وهو جنس أدبي مستحدث، و يشهد طفرة، بالغة الأهمية، لتجاوز الثقافة الشفاهية، والمحكية من المرويات، والشعر الفصيح، والملحون.
ورغم تعدد الأقلام الروائية، فلم تصل بقافلتها الى المحطة على قمة الإبداع، باستثناء الرواية التاريخية مع هذا الثلاثي المبدع: احمد ولد عبد القادر، الشاعر، والروائي بروايته" الأسماء المتغيرة"، والكاتب الروائي المتميز "موسى ولد ابن"، في روايته " مدينة الرياح"، ورواية "الحدقي" هذه التي هي موضوع هذا المقال.
والروايتان الأوليان، لقيتا اقبالا احتفاليا محمودا في الحرم الأكاديمي في كل من المغرب، والجزائر، إذ قدمت عنهما دراسات علمية في النقد الروائي الإيجابي في غاية الأهمية.
والسؤال الذي يطرحه المتلقي العربي، كما يوجه له، هو:
ما الذي يبرر عدم الكتابة، عن "الحدقي"، وتقديمها للقراء، وهي عمل في غاية الابداع، والإثارة، في مجالها ، الأمر الذي يستدعي من الباحثين دراستها، واكتشاف مظاهر الحداثة، ومعالم التراث العربي في اوج ازداهاره، و في تصدرها للحكاية، والقص، والوصف، والتحليل، والتشويق، والإثارة في السرد من جهة، والتفسير، والتعليل، والربط بين الوقائع، وتفعيل الأدوار بين أبطالها الرئيسيين، والثانويين، وتعدد المواقف المتأزمة، وخليها للعقد الاشويقية، وتوظيف الصراع، بل الصراعات المتعددة، والتناقض الذاتي فيما يفكر فيه الابطال، وبين سلوكهم، واقوالهم..
ولعل هناك إسئلة من نوع آخر جذابة للقراء، سيوضحها النقاد الروائيين - ولست منهم -، ويقابل ذلك ما يوجد في القص الروائي المعاصر ، كالربط بين التناقض، وما يؤدي اليه من تفسيرات، ونتائج متباينة، والصراع النفسي لدى ابطل الرواية، وتفسيراته العديدة، كالصدمة الحضارية إثر التحولات الاجتماعية العميقة في المجتمعات الحديثة، أو أزمة الضمير، أوالأمراض النفسية للفرد في المجتمعات الرأسمالية..
وكثافة التحليل في" الحدقي" و السرد القصصي الحالي، و التعامل مع النصوص التراثية في الأدب الراقي للجاحظ في النقد الاجتماعي، وموازاته في الفصول المكتوبة في زمن" الدوحة" ..
وهل هناك مقاصد اخرى لتقديم ابعاد الصراع، وانعكاسه على نفسيات الابطال، الأمر الذي أبان مظاهر الاحتقان التي ظهر، وأثر على استقرار المؤسسة السياسية للخلافة العباسية في المجتمع،،، وما فتئ الصراع بين الخلفاء وابنائهم ، ومع حاشيتهم، حتى تجاوز أدوات تحكمهم، لذلك في احتواء التغيير في شكل التمرد على الحكم، وإن لم ينجح، على غرار ما حصل حديثا من ثورات سياسية، واجتماعية في مجتمعات الغرب في القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر، وما بعدهما..
إن هذا التفسير للتحليل النفسي في الخطاب الروائي الأدبي في " الحدقي" ينبغي أن يكون جاذبا للجهات المختصة في حقل النقد الروائي في تقديمها للقراء..
ولعل حدود اهتمامي بالرواية، يتعلق بالتاريخ الاجتماعي العربي ، وتتبع اتجاهات النهضة العربية في موريتانيا، وغيرها من أقطار الوطن العربي…
والظن الغالب فيما كتبته عن " مدينة الرياح"، أنهما عملان قيمان، مع ملاحظة التفاوت بينهما في السرد، والرؤى، والغايات، او البواعث الخارجية.
فقدحاول موسى ولد ابن أن يقدم عملا أرخ فيه لبداية التحديث، وليس النهضة في موريتانيا على عكس التحولات الدارجة، والمروجة ...
بينما ارجاع النهضة الفكرية إلى دور البعثة الاكتشافية، واستخراج خام الحديد من "جبل الحديد" منذ خمسينيات القرن العشرين، ليس اكتشافا جديدا للنجم الحديد
ذلك أن " جبل الحديد"، كان معروفا ف على عهد المرابطين، - المرابطون - حيث أرسل" يوسف بن تاسفين" إليه الصناع من مراكش، وذلك من أجل صناعة السيوف، والرماح، استعدادا للحرب في الأندلس، ولعله ذلك السلاح ساعده على انتصاره في معركة الزلاقة…
إن إسترجاع "الذاكرة" التاريخية، في " مدينة الرياح " ، و استخراج الحديد في خمسينيات القرن العشرين، كان متاخرا عن بداية النهضة الفكرية، وهذا يعد خطأا في التأريخ للنهضة الفكرية، وخلط بين ظهور معطى تحديثيا سواء، أكان منجما، أو سكة حديد، وبين النهضة الفكرية..
فالنهضة الفكرية، ظهرت في بلادنا في القرن الثاني عشر هجري/ الثامن عشر الميلادي عن طريق حركة التأليف الفكري مثل " فتح الشكور في تراجم علماء تكرور"، وقد رصد فيه مؤلفه " البرتيللي" تراجم لأكثر من مائتي عالم،،
وتلا ذلك العديد من الكتابات الفكرية، كالتقعيد النحوي في كتابات "المختار ولد بونا" فضلا عن المطارحات الفكرية الشعرية،د الموجودة في كتاب" الوسيط"، ثم مشاركة علماء شناقطة في احياء التراث العربي، كتحقيق القواميس اللغوية، واللزوميات لأبي العلاء المعري للعلامة " محمد محمود ولد التلاميذ" ، وكان ءلك في أواخر القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين..
ثم إن إسترجاع الذاكرة الشخصية، أو التاريخية في "مدينة الرياح"، و تأويل العمل الروائي على أنه يشير إلى النهضة بدلا من " التحديث"، حتى لو سلم به القارئ، هو إلى حد ما محاكاة للرؤية التي ارجعت النهضة العربية في مصر الى اكتشافات البعثة العلمية التي رافقت الحملة الاستعمارية على مصر بقيادة "نابليون بونابارت"..
أما "الحدقي"، فهي واضحة الهدف القصدي للتواصل الحضاري، وتأصيل النهضة الفكرية في موريتانيا بالرجوع إلى تراث مرحلة الازدهار الفكري في النهضة العربي الأولى.
والملفت للنظر ، هو غياب هذه الفكرة عن أذهان أكاديميي " النادي الفكري الموريتاني في الدوحة" الذي قدم مشكورا ندوات، لا استحضر، كم شاهدت منها من خلال مشاهدات ناقصة على " اليوتوب".
لكن ما علينا، لكن ما شاهد المتابع من تلك الندوات، كان باهتا، وغير أيجابي، وربما تحكمت فيه عوامل ذاتية، او جهوية، لأن الغالب فى المداخلات، كان مواطن التقصير في القراءة الواعية، والفهم السليم الذي كان يستدعي جهدا فكريا، كالأهتمام بطرح الأسئلة، والإجابة عنها، بدلا من التقييم، والاسقاطات، والتعريفات التشبيهية، والأخيرة عند المناطقة، هي " أخس التعريفات"، كان يسأل سائل عن " نواكشوط"، فيجيبه السائل، هي مثل " نواذيبو"،، فهذا التشبيه التمثيلي، غير مكتمل لشروط التعريف الذي يكون، إما بالهوية، أو بالجنس، أو الخصائص، والظواهر، أو بالفصلة،،
ومثل هذا التشبيه السطحي كان لأحد الأساتذة في مداخلته، عن تشبيه مشاهد في الرواية عن أسواق البصرة، بالأحياء الهامشية في نواكشوط، وبأكل رغيف الخبز بالماء في " الكبة" في سبعينيات القرن الماضي،،!
ولعل صاحب المداخلة، فاته أن مظهرا ما بائيسا في واحد من اسواق البصرة التقط لتوظيف لقصد التهكم، لا ينفي، أنها مدينة عامرة نظرا للمرحلة الحضارية، وانعكاس الرخاء على الحواضر، كالبصرة، والكوفة، وبغداد، فالبصرة خطتت حضريا في سنة 17 هجرية، وهذا يعني أنها مركزا عمرانيا، مزدهرا حينئذ، بل باذخا، في عصر الجاحظ، لأن عمرها يزيد على مائتي سنة، فكانت مركزا تجاريا، وسوقا كبيرا، علاوة على ما حولها من حقول لزراعة القمح، والفواكه كما كانت ميناء ملتقى للبواخر القادمة من الهند، والصين، وخراسان، ومن حواضر العرب على الخليج العربي.
لذلك فتشبيه البصرة بأحياء نواكشوط، العاصمة التي حصلت بلادنا على استقلالها، تحت خيمة على شاطئها الرملي، ومنذئذ، يكون عمرها ست وستين سنة.
أما مكاتب الحكومة الأولى في الستينات، الى السبعينات، فكانت عنابرة، وبيوتا صغيرة،و لعل بعضها مستجلبا من الخارج..!
وبالرجوع إلى "الحدقي"، فمن هو مؤلفها؟
إن الإجابة على السؤال، من النص الروائي، يقدم التعريف التالي: كأنه مغامر، ومتمرد، وهو قطعا مثقف حداثي، وقد يفسر التمرد بمعتقد رافض لواقعه، سواء، اكان الرفض موجها بفكر ثوري، أم لا، لكن السؤال الذي قد يسيطر على تفكير القارئ أنيا، أو بعد اجيال، هو:
على من كان المؤلف متمردا؟
فقد تفسر المغامرة، بالتأثر بملاحقته للاحداث، و دالعربي منها يبحث على الرفض، والثورة،، وقد يكون تاثرا بالاحتكاك الثقافي، وما صاحب التنقل والترحال، كمراسل لقناة" العروبة".
ثم على من هو متمرد؟
والإجابة في النص، تصوب النظر إلى المتنفذين في إدارة المؤسسة الإعلامية، والتقصير في المهنية، وكفاءة العاملين في الحقل الإعلامي، وهو المعبر عنه بالنقد اللاذع للجهات التي تولت اعداد البرامج، والاختلاف على لغة الالقاء، وتقديم البرامج، والنشرات الاخبارية، وكذلك المأخذ على قناة العروبة اعتمادها على مصادر الأخبار في الشأن العربي على الأخبار الواردة وكالات الإعلام أجنبية، الأمر الذي أثار حفيظة الراوي..
ولعل التمرد من عوامله العجز عن مواجهة التحديات التي تواجه مجتمع الروائي الموريتاني ، كخلفية، لهذه المغامرات، وغياب السياسات الرشيدة، هنا، وهناك في إدارات التسيير، كما في الإعلام في قناة العروبة، وهو جزء من تراكم الاسباب لتمرد الكتاب من الشباب العربي، و صعوبة التحكم في خطابهم السياسي الناقد - إن كان في هذا العمل الروائي، أو في غيره - للوضع العام العربي في الوطن العربي من الماء إلى الماء،
لذلك طغت مسحة التشاؤم العام، كجانب من مظاهر سوء" التكيف" لدى النخبة المثقفة الطليعية من ضعف، نظر لغياب التصورات، والحلول التي تؤدي الى تشكل المجتمعات العربية وفق ثقافة التحديث، وخطاب " الحدقي" نمذجا ممثلا، وليس حالة فردية..
وهناك أسئلة تبحث عن أجوبة، نطرحها للباحثين، وقد نرجع إليها لاحقا في سبيل تقديم مقاربة مركزة اكثر منوهذا المقال، وذلك بحثا عن " الجاحظ" في السرد المتخيل، ولغة النصوص الجاحظية التي تشوبها " التعمية المزدوجة " رغم وضوحها ، لكنها من" السهل الممتنع" ، وليست في متناول العديد من المثقفين، لأن الجاحظ موسوعي ، مع تبحره، و تخصصه العميق فيما كتب عنه، فهو مفكر، وأديب ، ومؤلف وسياسي محنك، علاوة على النزعة العقلانية، فضلا عن كونه أحد رواد مذهب الدراية..
وهذا يفترض التساؤل حول صعوبة اعتباره بطلا متخيلا،، لكن ما موقعه؟ فهل هو ظاهرة اجتماعية لجماعة ما، أو مفهوم لهوية ثقافية، وأيهما يعكس الفكر الاجتماعي العام، ومجتمعه العباسي المتطور، والذي بدأ يجني ثمرات الاحتكاك الثقافي مع " الكندي" فلسوف العرب الذي غاب الحديث عنه، كما غاب الحديث عن ( أبو الفضل)، و( ابو حيان التوحيدي).. ؟
وبمعنى أكثر وضوحا، هل الجاحظ المتخيل استبعث مجتمع الجاحظ الحقيقي،؟ وأي فئة بالضبط،؟ هل هي تلك التي كان يسامرها، أو تلك الحاكمة التي اغدقت المال عليه، أو فئة المتعلمين الخائنة لجماعتها الهامشية التي تقاسمتها تيارات الأئمة اثناء حضور الجاحظ، وبعد غيابه الى مجالس الخليفة وحاجبه ؟
ولعل الجاحظ، في "الحدقي" لم يستبعث، ليمثل المشترك المعبر عنه في الفكر، والسلوك، والعلاقات لمجتمع الدهماء في علاقاته الحميمية به، وتفاعله مع افراده، او بالجماعة المهمشة من النخبة المتعلمة، لأن كل الاحتمالات واردة نظرا لما كان يمور في ذهن الجاحظ، غير ان النصوص لم تستنطق للكشف عن التناقض الصريح في الاسلوب التحليلي، أو التهكمي الذي، ربما الهدف منه اخفاء اخفاء الجاحظ لتمرده، وكذلك يقال عن السارد في "الحدقي"..
ولا شك أنه شارك عن قصد، أو غيره في تأطير الصراع، و تأجيجه، نظرا لارتفاع منسوب الاحتقان السياسي، وتداعياته التي تجاوزت التحريض، الى التصفيات العديدة، ومنها محنة " البرامكة"، والقتل بتهمة الزندقة " بشار بن بردة"، وغيره من السياسيين المعارضين للسلاطين، وتمذهبهم، وكلها أمور تشير إلى حدة الصراع بين التيارات الفكرية، والسياسية، والمذهبية، وكان من ناتجها المباشرة، أو غير المباشرة " ثورة الزنج" التي ظهرت في ذات المجتمع، وفي الفترة الزمنية عينها، وقد تكون بواعثها، ودوافع اصحابها اقل من توجيه الأحداث يرؤية عامة في مجال التغيير الاجتماعي.
بينما كان تأطيرها اكثر في الكتابات الحديثة، وذلك بتوصيفها ، والرفع من تاثيرها، ودورها في التغيير، وهو ما لم يحصل، ولذلك لاتستحق مفهوم " الثورة"، لأن ذلك ، يقدم تعريفات للمفهوم والاحداث التي كانت ثورات غيرت كل مجالات الحياة السياسية، والاجتماعية والاقتصادية، والثقافية..، لانه اشمل من فئات اجتماعية، كان فعلها ، لايحمل مشروعا للتغيير السياسي، والاجتماعي، والثقافي،،
ولكونها اقتصرت على المهمشين المدفوعين بعوامل منها الاقصاء ، فكان الرد عليه بالانتقام، وهذا يختلف عما كان يروج له الجاحظ في فكره الذي قد يكون من اسباب التأثر به، ظاهر العلاقة الروحية بين الجاحظ، و عامله، ومنها اللقاء بعد رجوع الجاحظ إلى منزله بعد غيبته أثناء الاختباء،،
لذلك يسجل لذلك العامل الذي التق بثورة الزنج، انه، كان حاملا لفكر سيده، إما في مناظراته، و مطارحاته، أو من خلال الجو العام في منزلهما.
ولا غرو أن تمارس تلك الأجواء المشحونة بالتمرد للجاحظ، على تلاميذه، وحوارييه الذين كان بعضهم من اجناد ثورة الزنج ..
و من المأسوف عليه الإعراض عن استحضار ثورة "الزنج" الا بتلك الإشارة من بعيدة،،
وكان حريا بمن اهتم بفكر الجاحظ، أن يعرض لذلك التمرد العسكري الكبير الذي وجه الاحداث، وورط النظام السياسي، واضعفه، وساعد على زعزعة النظام المركزي، وانهكس القوة العسكرية في مطارة ثوار ثورة الزنج خارج المدن، وفي السفوح، والوديان، والجبال في العراق، وخاراسان،، وكان لها تاريخها.
ولعلها من نتائج التحولات العميقة، والحاسمة ، لظاهرة التمرد، والمغامرات الإيحائية التي خلت فيى نصوص " الحدقي".
وقد يتساءل القارئي عن ضخامة رواية الحدقي، لكونها تجمع بين روايتين متداخلتين، بنا يسمى " القصة داخل القصة"، رغم ان احداثهما جرت في زمنين متباعدين، و مختلفين، تباعد واختلاف مجتمعاتهما الثلاثة:
١- المجتمع العباسي، وتتبع التطور الوظيفي، او تدوير الجاحظ المتخيل، أو الحقيقة الفكرية في التاريخ الثقافي الذي كان يقوم بأدواره في البصرة تارة، وأخرى في بغداد في أماكن عديدة : منزله، وقصر السلطان العباسي، وشاطئ دجلة، والجسر، والمنزل الذي تخبأ فيه بعد الغضب على الحاجب، وتعذيبه من طرف المتوكل.
٢ - ومجتمع العمل في قناة (العروبة) - وإن كنا لانشاطر السارد، في أنها كانت وسيلة اعلامية، بمشروع متميز ساعدها على الهوية التي أعطيت لها في " الحدقي" - في الدوحة، ولا ادل على ذلك من اللقاءات ، وما كان يجري فيها، شاجبا لمسيري إدارة قناة ( العروبة)، سواء منها تلك التي، جرت في مقهى وموظفي القناة، وتتبعهم للعلاقة العاطفية للبطل، وزميلته في العمل، ولعل تلك التفاصيل اضفت بعدا واقعيا لفصول الرواية، وساعدت على تنامي تلك العلاقة العاطفية في الواقع، التي لاتختلف عن اللقاء غير المباشر على شاطئ البحر، او في مقهي المدينة، لتصل العاطفة إلى من وحدها في منزل والد الخطيبة، ورفضه للزواج، ومقابلة الرفض بالاعتداد بالنسب، والحسب، وهنا حضرت القيم البدوية، وغابت معايير الحداثة عند محمد القروي..
إن المواجهة الحادة بين الخطيب - في منزل والد الخطيبة، أظهرت معطى للتمرد على المواضعات الاجتماعية، والقيم التقليدية الموروثة في المجتمعات العربية المتخلفة بمعاييرها المشتركة بين الخطيب من جهة - ووالد الخطيبة، يشف عن صعوبة القطيعة مع حاضر التخلف، نظرا للتشبث به من طرف اغنياء العرب في الخليج، وفقرائهم في باقي الوطن العربي، فالكل على تخلفه، يغنيه على " ليلاه ".
٣ - التواصل مع عائلة البطل في المجتمع العربي الموريتاني، والتفاعل مع الأحداث ، مثل مرض والد البطل، محمد القروي، ولجوئه لأقتراض المال من المؤسسة المالية في الدوحة للعلاج، وكذلك تواصله مع والدته لاقناعها بقبول زواجه من محبوبته في الدوحة، وبعد فشل الخطوبة، نجح والدها في القضاء على محاولة محمد ، وخطيبته، مشروع الزواج خارج القيم المعيارية لمجتمعها المنغلق على نفسه .
لذلك واجه الخطيبين، ونجح علبهما بسهولة فأحرق مراكب الخطيب - الذي دفعه التوتر العصبي، للتعويض عن هذا المشروع المرغوب - بالاعتداد بنسبه، وحسبه حين واجه حالات عصبية، زادت المتمرد، الموتور توترا، اوقعه في ازدواجية المعايير، والميل الى قيم القبيلة الموريتانية، فباعدت بينهما، في تحقيق رغبته في الزواج الذي، يظهر ، أنه "وسيلة" لتطور العلاقة العاطفية من أجل إنجاز" هدف" في " الحدقي"..؟
قد يسأل قارئ الرواية عن المفارقة في نهايتها نظرا لعدم تطابقها مع تسلسل الاحداث، ذلك أن الفصول عن " البصرة" انتهت بمرض الجاحظ، و هروب نزيله " والتحاق الأخير بثورة" الزنج"، كما ذكر سابقا.
أما النهاية في فصول رواية الدوحة، فهي نهاية غير مرتبطة بالأحداث، ونهايتها، إذ انتهت بانتصار البطل خارج السياق، يعني أنها نتيجة غير مطابقة للاحداث، وحبذا لو ام تسع لانقاذ" محمد القروي" المسنود بثقافته الألمانية على حساب " الدراما".
ولعل هذه النهاية، أحالت العمل الروائي إلى "ملحمة"، كلاسيكية، وليس عملا روائيا مأساويا،،
فابطال العمل الروائي غالبا ما يكونون سلبيين.
والسؤال الذي يمكن طرحه، هو هل من الممكن تقديم نهاية درامية؟
والجواب ، بنعم.
و لو أن البطل الذي أوقف سيارته على طرف الشارع، خرجت خطيبته من سيارة أبيها، وواندفعت نحنوه، واقتحمت باب سيارته، ليهربا معا في الشارع، ويطاردهما ابوها، والبوليس، لكانت النهاية منطقية، واكثر ماساوية،.
كما أن هناك نهاية اخرى، لعلها أكثر مأساوية، لو أن الخطيبة خرجت من سيارة والدها، وأثناء ركضها في وسط الشارع نحو خطيبها، اصطدمت بسيارة أخرى..
ومن الأمثلة على ارتباط النهاية الدرامية للابطال في العمل الروائي انطلاقا من تسلسل الاحداث الدرامية ..
كالذي انتهت به رواية " عذراء قريش" لجورجي زيدان،،
حيث كانت نهاية،" أسماء" بطلة الرواية درامية، وكذلك " محبوبها، الذي احرق جيش عمر بن العاص " محمد بن بكر" في جوف حمار،،،
وحين تأكدت " أسماء" من هذه النهاية، ألقت بنفسها في النار، فانتهيا بهذه المأساوية..
وفي تقديري الشخصي، اقترح تعديل النهاية في " الحدقي" في الطبعة التالية، وربما يكون ذلك في صالح العمل الروائي، وهو العمل الإبداعي الماتع، والجهد الفكري الذي نجح في التأسيس الرواية التاريخية الموريتانية، ومشاركة كاتبها في التأصيل للنهضة العربية في هذه القراءة للتراث الفكري، والادبي، قراءة واعية في أمس الحاجة إليها المتلقي العربي الموريتاني، والاجيال القادمة..