ذات مرة اجتمع فتية من قبيلة تندغه (الحلة) من أهل علب آدرس حول لعبة «سكرابل»، وكانت لهم في اللعب قوانين صارمة لا تعرف التساهل.
فمن أتى بكلمة واعترض عليها أحد الحاضرين، وجب عليه أن يثبت صحتها من وجهين: أن يشرح معناها شرحا يوافق ما في القاموس، وأن يسوق عليها شاهداً من شعر العرب في عصور الاستشهاد، فإن عجز عن أحد الأمرين، وثبت أن الكلمة لا أصل لها في القواميس ولا في دواوين الأوائل من العرب الأقحاح، رُفضت الكلمة وانتُزعت من رصيده عشر نقاط كاملة وفق القانون المتفق عليه.
وُزعت القطع، وتسلم كل لاعب أحرفه السبعة، ثم بدأ الجميع في تشييد الكلمات المتقاطعة أفقياً وعموديا، وكان في يد أحدهم حرف الهمزة على الياء، وقيمته خمس نقاط، وقد سنحت له فرصة نادرة لوضعه على خانة تضاعف النقاط ثلاث مرات(TRIPLE) ، فيحصل الحرف وحده على خمس عشرة نقطة، تضاف إلى ما تكسبه بقية أحرف الكلمة، فأخذ يفكر في سبيل يحقق به هذا المكسب المغري.
وما هي إلا لحظات حتى وضع الحرف وأتم كلمةً غريبة: «جوالِئَ».
ساد الصمت برهة، ثم انطلقت الأسئلة من كل جانب:
- وما معنى «جوالئ»؟!
قال في هدوء الواثق:
- هي سرب الظباء.
نظر القوم بعضهم إلى بعض في دهشة، وقالوا:
-ما سمعنا بهذه الكلمة قط.
ففُتحت المعاجم، وقُلِّبت صفحاتها، فلم يُعثر للكلمة على أثر.
قالوا:
- وهل لديك شاهد من كلام العرب؟
فأجاب من فوره:
- نعم، في قول غيلان ذي الرمة:
جوالِئَ يَدَّرِئْنَ إلى أضاةٍ :: لسبعٍ ما عرفنَ بها لِماما
تبادل الحاضرون النظرات، كان البيت جميلاً، متين السبك، قريباً من روح ذي الرمة ومعجمه الصحراوي في وصف ظباء عطاش تنساب نحو الماء !!.
قال أحدهم:
-ما أبدع هذا البيت! وما أشبهه بشعر غيلان! غير أني لا أذكره في ديوانه.
وقال آخر:
-لعلنا نسيناه، أو فاتنا موضعه.
فجيء بديوان ذي الرمة، وقُلّب صفحة صفحة، من أوله إلى آخره، حتى استُقصي كله، فلم يظهر للبيت أثر، ولا للكلمة ذكر.
عندئذ أحاطوا بصاحبها، وألجؤوه إلى الاعتراف، وقالوا:
-لم يبق أمامك إلا أن تصارحنا بالحقيقة، ولعلك تنجو من خصم النقاط.
فلما رأى أن لا مهرب له، ابتسم وقال:
-لم أجد سبيلاً إلى الظفر بنقاط ذلك الحرف الكؤود إلا بهذه الحيلة.
فضج المجلس بالضحك والإعجاب معاً؛ إذ لم يدهشهم ما صنعه من المراوغة بقدر ما أدهشتهم سرعة بديهته، وقدرته على ارتجال بيتٍ يكاد يضاهي شعر ذي الرمة في سبكه وألفاظه وصوره، حتى كاد يخدع به أهل المعرفة والصناعة والدراية.
وحدّث الأديب الإداري بدنَّ ولد سيدي قال:
-جزم العلامة گرَّاي ولد أحمد يورَه رحمه الله، مرة لتلامذته في المحظرة بانعدام وجود كلمة على وزن (فِعُلٍ) في اللغة العربية.
فقال الأديب أحمد بن محمودي لأصدقائه ومنهم القاضي محمدن ولد شمَّادْ رحمه الله و ببّها بن أحمد يوره حفظه الله، إنه يحفظ بيتًا يتضمن ذلك الوزن وهو قول الشاعر:
مِكُرٍ قتلته برمحي :: أكلته في الصبح دون ملح !
فلما بلغ ذلك العلامة گراي ضحك وقال:
-يَلّالِي زاد مشبهُ ببَّيتاتْ لعرب ذوك !
وحدّث المؤرخ الباحث محمد ولد مولود ولد داداه رحمه الله، قال:
-كان معي الصحفي الأديب خيْ بابَ شياخ رحمه الله، مرة فحكى بيتا نسبه لجرير فقلت إنني لا أعرفه من شعره ! فقال: هو في ديوانه فقلت إنني لا أعرفه في ديوانه.
فجزم بالأمر و أتى بالديوان فإذا بالبيت فيه ولكن في طبعة مغايرة لتلك التي بحوزتي “.
وفي تسعينيات القرن الماضي بمحظرة النباغية، كانت تنعقد حلقة يومية على مطارحة تعرف عند الطلبة بـ (الندوة الشعرية)، وفي إحدى النوبات تعذر بيت يبتدئ بالدال فأنشدهم الشيخ محمد بن بتار:
دعتك إلى الصبا أعلام نجد :: وشاقتك المعاهد والرسوم
وقال في تورية بديعة دفعا للريبة: هذا البيت لشاعر هاشمي في زمن معاوية يقصد (ولد الطايع) وهاشميا (يعني نفسه).
كامل الود