شعر أم كف مبسوطة ... / إسماعيل ولد محمد يحظيه

2026-02-01 22:13:23

ليست الماساة في أن يجوع الأديب، فالجوع قديم قِدم الكلمة، لكن الفاجعة ان يتحول الجوع الى منهج، وان تُختزل القصيدة في إيصال مؤجل الدفع على موائد السادة الجدد.

أما وأننا نلتقي اليوم معا في حضرة هذا الجرح الغائر الذي لا يشفى أو يندمل بمعية الألفة أو المجاملات فدعونا نسبر ما أمكننا ذلك أو وجدنا اليه سبيلا :

  إن ما نراه اليوم ليس فقرا خالصا، ولا بطالة بريئة، بل انكسارا بطيئا لهيبة الكلمة حتى تُستبدَل خشونة  السؤال بنعومة التزلف، الفقر ينتج الصمت قد يكون رافعة لتطوير الذات أحيانا، كما وقد يكون منزلقا نحو درك الابتذال وامتهان الكرامة وينتج ، لكنه نادرا ما ينتج هذا النوع من الشعر الذي يمسك العصا  من منتصفها، ويمد القبعة من اسفلها،  إنه فقر اليقين قبل فقر الجيب، يقين الشاعر  بأن الكلمة لا تُنقِذ، وأن القصيدة بلا راع ثريُ كطفل لقيط في سوق النخاسة كما يتوهم.، هنا لا يعود الشعر فعل مقاومة، بل يصبح أداة مساومة رخيصة : مديح مشغول بعناية، استجداء مقنَّع بالبلاغة، ونَوٌاح ذكي يعرف متى يبكي وأمام مَن، يتلاعبون بعقول الأثرياء لوهن المؤمل من نظرائهم في العوز  وضعف الحيلة والهوان على الناس، والضمير لا يُدر أرباحا، في هذا المناخ ينقلب الشاعر من شاهد على العصر الى سمسار متمرس، ومن ضمير قلِقٍ الى  موظف علاقات عامة لدى فائضي الثروة، والمأساة الأعمق أن هذا السلوك يُقدَّم بوصفه "" حكمة عيش وتبصر""، وتدرج افعاله احيانا  في خانة "ابرغماتي"، بينما هو في واقع الامر ليس سوى  تنازل متدرج  عن جادّة الشرف، ونزول الى درَك ذل  المسألة. 

  ولكي لا يُظلم الشعر في محاكمات جماعية، ولا يُسوّى بين من خانوه، ومن احتموا به،  فلا بد من القول أن ثمت شعراء لم يخلعوا القصيدة عند أبواب التربّح، ولم يجعلوا المديح عملة، ولا الكلمات عربون ولاء، شعراء ظلوا يكتبون وهم يعلمون أن القصيدة قد لا تطعم خبزا، لكنها تمنع الجوع من أن يهينهم، فاختاروا العزلة على التصفيق، والصدق على الرعاية،  وبقوا أوفياء لنبرة واحدة لا تتبدل بتبدل الحقب واختلاف الامصار . هؤلاء لم ينحدروا الى التكسب، ولم يمدوا أيديهم لأنهم أدركوا أن الشعر حين يستجدي يفقد سلطته، وحين يباع يخسر معناه وألقه. 

  ونهاية فنحن ندرك أيضا أن ليس كلُّ من مدح متكسّبا، ولا كل من صمت جبانا، لكن حين يصبح الاستجداء خيارا، والتزلف مدرسة، فاعلم أن الخلل لم يعد اقتصاديا، بل روحيا، فالأمم لا تقاس بعدد شعرائها، بل بعدد أولائك الذين رفضوا أن يبيعوا ضمائرهم حين تغوّل لهم الجوع، واستبدّ بهم الإغراء. 

ورحم الله من قال : 

إذا سُد باب عنك من دون حاجة•فدعه لأخرى ليّنٍ لك بابُها

وإن قِراب البطن يغنيك مَلؤه•ويكفيك سوآتِ الأمور اجتنابُها 

........... 

والى دردشة قادمة

.........

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122