في اعتراف عبري جديد يكشف حجم الورطة التي يعيشها جيش الاحتلال في جنوب لبنان، قالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن تهديد الطائرات المسيرة التي يطلقها حزب الله بشكل شبه يومي أصبح تحديًا عملياتيًا كبيرًا يفوق قدرة القوات الإسرائيلية الموجودة على الأرض.
الكلام هذه المرة ليس صادرًا عن محلل عربي ولا عن بيان مقاومة، بل عن إذاعة الجيش نفسها، وعن نقاشات داخل منتدى القيادة العليا للجيش الإسرائيلي في قاعدة رامات دافيد، حيث تحولت مسيرات حزب الله إلى صداع حقيقي داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
المسيرات التي أربكت الحسابات
بحسب ما نقلته إذاعة الجيش، فإن قائد لواء المدفعية 282، وهو ضابط يقاتل حاليًا في لبنان، قال أمام القادة إن تهديد الطائرات المسيرة يمثل تحديًا عملياتيًا كبيرًا، وإن الجيش بحاجة إلى التفكير في كيفية تنظيم نفسه بشكل أفضل لمواجهته. هذه العبارة وحدها تكشف الكثير؛ لأن الجيش الذي طالما تفاخر بمنظوماته الجوية والاستخباراتية والدفاعية بات يناقش في اجتماعاته العليا كيف يتعامل مع مسيرات صغيرة ورخيصة نسبيًا، لكنها قادرة على اختراق المشهد، وإرباك الجنود، وفرض معادلة خوف يومية على الأرض.
قادة الاحتلال يعترفون: الأدوات غير كافية
الأخطر أن قادة الوحدات القتالية في جيش الاحتلال عبّروا عن استيائهم الشديد من قلة الأدوات المتاحة للتعامل مع هذا التهديد. أحدهم قال بصراحة إن “لا يوجد الكثير مما يمكن فعله حيال ذلك”، وهي جملة تكشف حالة عجز واضحة. فحين يصل ضابط إسرائيلي إلى هذه الدرجة من الصراحة، فهذا يعني أن المشكلة لم تعد مجرد خلل تكتيكي، بل فجوة حقيقية بين طبيعة التهديد الذي يفرضه حزب الله وبين الأدوات التي يملكها جيش الاحتلال لمواجهته.
تعليمات بدائية أمام سلاح متطور
التعليمات التي تتلقاها القوات الإسرائيلية، بحسب التقرير، تبدو بسيطة إلى حد الصدمة: البقاء في حالة تأهب، وإطلاق النار على أي طائرة مسيرة يتم رصدها. لكن ماذا لو لم تُرصد؟ وماذا لو وصلت على ارتفاع منخفض؟ وماذا لو دخلت من زاوية ميتة؟ وماذا لو كانت ضمن موجة مركبة مع قذائف أو صواريخ أو نيران ميدانية؟ هنا تظهر المشكلة الحقيقية. المسيرة ليست مجرد جسم طائر، بل أداة استطلاع وضرب وإرباك واستنزاف نفسي وعسكري في نفس الوقت.
نصب شباك لاصطياد طائرات حزب الله ..حيل بدائية من جيش الاحتلال
ومن أكثر التفاصيل دلالة أن بعض الوحدات الإسرائيلية بدأت تلجأ إلى حلول مرتجلة مثل نصب شباك فوق المواقع والمنازل والنوافذ لمحاولة تعليق الطائرات المسيرة قبل وصولها إلى أهدافها. تخيلوا جيشًا يقدم نفسه باعتباره من أكثر الجيوش تقدمًا في المنطقة، يجد نفسه أمام مسيرات حزب الله مضطرًا إلى نصب شباك كحل ميداني مؤقت. حتى الضباط الإسرائيليون أنفسهم اعترفوا أن هذا الحل غير كاف على الإطلاق، لكنه يعكس حجم الارتباك وحالة البحث عن أي وسيلة، مهما كانت بدائية، لتقليل الخسائر.
فشل لم يبدأ اليوم
إذاعة الجيش أشارت إلى أن قادة الاحتلال اعترفوا بأنهم دخلوا الحرب في لبنان بدون أدوات كافية للتعامل مع تهديد المسيرات، رغم أن أمامهم سنوات من الدروس والتحذيرات. العالم كله شاهد كيف أصبحت الطائرات المسيرة عنصرًا حاسمًا في الحرب الروسية الأوكرانية، وكيف استخدمتها حماس في 7 أكتوبر لتعطيل أنظمة الرؤية والإطلاق على حدود غزة. ومع ذلك، دخل جيش الاحتلال جبهة لبنان وهو لا يملك إجابة حاسمة على سلاح أصبح عنوان الحروب الحديثة.
توبيخ قائد القوات الجوية
الأزمة لم تكن جديدة تمامًا داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. التقرير أشار إلى أن قائد القوات الجوية اللواء تومر بار تلقى توبيخًا من رئيس الأركان إيال زامير قبل نحو ستة أشهر بسبب فشل القوات الجوية في التعامل مع تهديد الطائرات المسيرة. وهذا يعني أن المشكلة معروفة، ومطروحة، ومثار غضب داخل القيادة، لكنها لم تُحل. فشل متراكم، وتحذيرات متكررة، وجبهة جنوب لبنان تكشف كل يوم أن التفوق الجوي الإسرائيلي لم يعد كافيًا أمام سلاح صغير ومرن ومنخفض التكلفة.
حزب الله يفرض معادلة استنزاف جديدة
ما يفعله حزب الله بالمسيرات لا يقتصر على تنفيذ ضربات أو تصوير مواقع. هو يفرض معادلة استنزاف كاملة. كل مسيرة تُطلق تجبر الاحتلال على الاستنفار، والبحث، والمراقبة، وإطلاق النار، وربما تشغيل منظومات دفاعية مكلفة. وفي كل مرة تنجح فيها المسيرة في الاقتراب أو الإصابة أو حتى إثارة الذعر، يتعمق الشعور داخل الجيش الإسرائيلي بأن الجبهة اللبنانية ليست تحت السيطرة كما يدعي قادته سياسيًا.
: اعتراف عبري بفجوة قاتلة
ما قالته إذاعة الجيش الإسرائيلي ليس تفصيلًا عابرًا، بل اعتراف واضح بأن حزب الله نجح في فتح ثغرة خطيرة في منظومة الاحتلال. المسيرات أصبحت تهديدًا يوميًا، والقادة يعترفون بقلة الأدوات، والجنود يتلقون تعليمات محدودة، والوحدات تنصب شباكًا فوق المواقع، والقيادة الجوية تتعرض للتوبيخ بسبب الفشل في التعامل مع هذا السلاح.
الرسالة الأهم أن حزب الله لا يحتاج دائمًا إلى سلاح ضخم كي يغير المعادلة. أحيانًا طائرة مسيرة صغيرة تكفي لكشف عجز جيش كامل، وإجبار قيادته على الاعتراف بأن ما يواجهه في جنوب لبنان أكبر من قدرته الحالية.
والسؤال الآن: إذا كانت مسيرات حزب الله بهذا الحجم من الإرباك اليوم، فماذا سيحدث إذا تحولت من تهديد شبه يومي إلى موجات واسعة ومنسقة؟ وهل يستطيع جيش الاحتلال أن يتحمل حربًا طويلة تصبح فيها السماء فوق جنوده مصدر خوف دائم لا مجالًا للتفوق؟