مِن أعلام المنطقة الجنوبية الغربية مِنَ القطر الموريتاني العالمُ الشاعر "بَـيِّـينِي بن إبُّو" اليدوكي، صاحب النصوص الشعرية المعروفة لدى المهتمين بالأدب في منطقته بِ"تحايا بيِّينِي" ... وهذه التحايا هي عبارة عن مجموعة مقطعات جميلة يستهل صاحبُنا أفرادَها بالتحية والسلام.
وقد احتُفِيَ بالعلامة "بَيِّينِي" في الديوان السلطاني بالمغرب، عندما زار قريبه العلامة الأديب عبد اللهِ بن الشَّين اليدوكي، ومدح السلطان بشعر جميل له مكانه بين أفراد هذه المجموعة يقول فيه :
تحايا ملوك العصر قبلي ومن بعدي
توافيكمُ مني على القرب والبعد
يوافي أمير المؤمنين سحابها
بنسع بلا برق يروع ولا رعـد
كمـا وكفـت منه الأكف على الورى
بواكف سيب لايكف بلا وعد
تحية داعٍ باستدامة نصركمْ
وحفظكمُ والفوز باليُمن والسَّعدِ
ومِن تحاياهُ :
سلامٌ عليكمْ دائما يتجددُ
بأحسن ماقد قيل فالعَودُ أحمدُ
سوى أن هذا لو تبدّى لـناظرٍ
بدا منه تبـر خالـص وزبرجـد
ولو سمعت آذانكم نغماته
لغنَّاكم منه غريب ومبعـد
ولو ذقتم من طعمه لاحتسيتم
جنا النحل لا بل هو أحلى وأبرد
ومن تحايا "بَيِّينِي" قوله في أسلوب عفيف رقيق :
سلامٌ كما هبَّ النَّسيمُ مِنَ الرَّندِ
وكالخَدِّ لو زال اللِثامُ عنِ الخَدِّ
ومُوجبهُ : هل خانتِ العهدَ بعدنا
بثينةُ أم دامَتْ بثينُ على العهدِ ؟
ومنها قوله في معرض المديح :
َسلامٌ كَكَافُورٍ تضمَّنهُ حُقُّ
وكالبذلِ من سَمْحٍ مواعيدُه حَقُّ
يَؤُمُّ الأُلَى عمَّ الأنامَ جَدَاهمُ
رباعٌ سديسٌ بازلٌ جَذَعٌ حِقُّ
ويُنبِئُ أنْ لوْ نلتُ ظَهْراً لزُرتُ مَنْ
علينا لهُمْ مِنْ مُستجَابِ الدُّعَا حَقُّ
وإلى تحاياه يُنسب أيضا بيتان معدودان في الأصوات التي غناها المطربون، وربما نُسبا لغيره :
سَلامٌ كما هبتْ ريا حُ الصَّبا مِنِّي
على معهد الحسنا بـ"مَلزِم هامَنِّي"
منازل لو تُعطَى النفوسُ مَرامَها
لما ظل ناديها مناطَ السُّها مِنِّـي
ومن شعره السهل السلس مِنْ غير التحايا أنشدوا :
يــا ليته كان لابن البَدْءِ "وادان"
عمرٍو من الدر والياقوت وادان
جــئـناهُ ُمُسْيًا وما نهواه ذو بُعُدٍ
فما أتى الليل إلا والهوى دانِ
والحال أسود من حُزنٍ ومِن تَعَبٍ
واللونُ أسودُ فابْيَضَّ السوادان
بالظهر للحمل جاء البدء مبتكرا
وقال : خوضوا به ما دون وادان
نِـعْمَ الجوادُ ونعم الخودُ زوجته
أمـَدَّنا بالذي نبغي الجوادان
وقد رثى "بييني" العلامةُ محمد فال بن محمذن بن أحمد بن العاقل "بَبَّها" بأبيات يقول فيها :
مات القريض مع الآداب والدينِ
والعلمِ والحِلْمِ مِن فقدان "بَيِّينِي"
يا عينُ فابكي على قطب الزمان دمًا
وإن بكيتِ دمًا لا ترقدي عيني
فَالله يرحـمـهُ واللهُ يكرمهُ
والله يــــحرمهُ من حَرِّ سِجِّينِ
وأوله غرفاً من فوقها غرفٌ
مِن تحتها غُرَفٌ فِي جَوف عِّلينِ
وقد كان عبد الله بن الشين المذكور هاجر للمغرب ووصل من المكانة العلمية ما أهَّله عن جدارة لتولى منصب "قاضي القضاة" بمراكش، وهي مكانة لم تكن لِتُنسيَه ربوعاً نيطت عليه بها التمائم، فقد قال هناك يتشوق أوطانه ب"المأمنَين" ف"ذات الحي" (تنياشلْ) الواقعَين في منطقة "العرية" بمقاطعة "واد الناقة" حاليا :
ألا ليتَ شعرِي هل أبيتنَّ ليلةً
وللنَّفسِ بينَ "المأمنينِ" ثُلوجُ
وهل لِي بذاتِ الحيِّ عيشٌ ألذُهُ
منازلنا قدمًا وحيثُ نروجُ
وهذان البيتان من شعر مطلعه :
أهاجكَ - والبرقُ اللمُوحُ هَـيُوجُ
بُرَيقٌ سرَى بعدَ الهُدُوِّ أجُوجُ
وقَبْل السفارة العلمية التي قام بها على أكمل وجه في المغرب الأقصى، كانت لعبد الله سفارة من نوع آخر في الربوع الشمالية من وطنه، فقد فاز به الأمير محمد لحبيب على أمير آدرار في منافرة مشهورة في البراعة، مَـثَّـلَ الطرفَ التروزيَّ فيها عبدُ الله هذا في حين مثلت جانبَ آدرار بارعةٌ من قبيلة "أولاد اللَّبْ" تدعى "عَيشاوَ" على ما أذكر ... وقد توفي عبد الله بالمغرب ودٌفن بمدينة الدار البيضاء.
وعبد الله هذا عَمُّ أبي الظاهرة العلامة اللغوي محمدو السالم بن الشين، الذي أخذ عن أخواله من "أولاد بو المختار" الحسنيين وعن شيوخ الشيوخ "يحظيه بن عبد الودود " (إبَّاهْ) وعن العلامةمحمد فال بن محمذن بن أحمدبن العاقل "بَبَّها"، قبل أن يخرج مُشَرقا إلى منطقة الحوض التي كان دخوله لها كدخول أبي الطيب المتنبي لمصر، فقد ملأ محمدو السالم بالحوض الدنيا وشغل الناس ... ولم يكن العلامة القاضي المحفوظ بن بيَّه المسومي، وهو من هو، ممن يخفى عليه ما يترتب على قرب محمدو السالم من الفائدة، فاستدعاه واحتضنه وجعل هو ومن حوله ينهلون من معينه الجاري ...
ولمحمدُّو السالم بن الشين مؤلفات عديدة منها احمرار مشهور على لامية الأفعال لابن مالك، وله ديوانُ شعرٍ قاموسي إلا ماكان من النزر القليل، مِن نصوصه قافيه من القوافي الشُمس –كما وصفها الشاعر الكبير محمد الحافظ بن أحمدو- قالها في مدح الشيخ الحسن بن مَحَّمْ الحسني، يقول في أولها :
دنا بينٌ فأسْلَبنِي اغتماضا
وما صادفتُ عن بَينِي إضاضَا
ولم أشعُرْ ببَينِ الحيِّ حتَّى
غدا الفتيَاتُ ينزعنَ الإراضَا
سفحتُ الدمعَ مِن غربَي ذلُولٍ
فلا نزرًا سفحتُ ولا بُراضا
ومن سهل شعره ومتدفقه قوله يحض على التعلم من أبياتٍ يحث فيها على أنواع المكارم:
ولوحَكَ إن لوحَكَ خيرُ إِلْفٍ
يزينُك في المجامعِ والقلُوبِ
ولا تترُكهُ خلفَ البيتِ تسفِي
عليهِ السافياتُ منَ الجنُوبِ
وتجرني تلك العلاقة العلمية بين محمدو السالم ولمرابط "بَبَّها" إلى قريبَيه العلامتين : المصطفى والعتيق ابنَي محمذن بن المصطفى اليدوكييَن اللذَين كان من شأنهما رفعةً وألمعيةً ما يميزهما من بين تلامذة لمرابط"بَبَّها"، وإلى ذلك يشير لمرابط امحمد بن أحمد يورَ بقوله :
لمْ يكنْ قبلَ "مُصطَفًى" و"عَتِيقٍ"
في التلاميذِ مُصطفًى وعتيقُ
يقتفِي "المصطفى" "العتيقُ"، وقِدْماً
يَتأسَّى بمُصطفاهُ العتِيقُ ...
وللمصطفى شعر مطبوعٌ متين السبك جزل الألفاظ، ربما نحا إلى المُعجمية في توسط جميل :
نَعيبُ غرابِ البين بالبين أبقعا
دعا القلب مِنِّي للغواية فانْدَعَى
دعاني لِمَحْضِ الشوقِ صُبْحاً فهاجَ لِي
دفينَ غرامٍ مِن أُمَيْمَةَ إذ دَعا
فأصبحتُ مَحزوناً لِصَوت صُراخِه
أكابدُ همّا في الفؤاد تجمّعا
وما ذاك إلا مِنْ رُسُومٍ رأيتُها
فأصبحَ شِلْوُ الصَّبْرِ مِنِّي مُمَزَّعا
خليليَّ إنَّ الفخرَ للمرِء زينةٌ
فَدَعْ عنكَ داراً مِن أمُيمةَ بَلْقَعَا
وَعَدٍّ إلى فَخْرٍ يقُودُكَ ذِكرُه
إذا ما ادّعى الغِطريفُ في الفخرِ ما ادَّعَى
ومن جميل شعره قوله ارتجالاً وقد التقى بمُشيعِي جنازَتَي "ببَّها" وشقيقه عبد اللهِ المتوفييَن يوم عرفة من سنة 1334هــ الموافق 07 أكتوبر 1916م :
أقولُ لِرَكْبٍ قافِلِينَ لقِيتُهُمْ
رِكابَ عتاقِ العِيسِ تخدي بِهِمْ وَخْدَا
يَمِيناً لَنِعْمَ السَّيِدانِ دفنتُمُ
بِمقبرةِ "الميمون" مبرورةً جِـدَّا
أعزيكمُ بالمُرسَلِينَ وغيرِهمْ
وأن حِمَام المرءِ ينزلُ لا بُـدَّا
والِإيجازُ أوْلَى في المراثِي وغيرِها
مِنِ إنْشَادِ شِعْرٍ يمْلاُ الغَوْرَ والنَّجْدَا
خالص التحايا ،،،
عز الدين بن ڭراي بن أحمد يورَ