العرب وإيران: ماذا بعد وقف الحرب؟/ م الأمين الفاضل

2026-04-08 22:12:57

أثبتت إيران خلال السنوات الماضية، وفي الحرب الأخيرة، أنها تمتلك ثلاث نقاط قوة كبيرة، ونقطة ضعف قاتلة.

أولا/ نقاط القوة

1 ـ صبر استراتيجي غير معهود: تابعنا خلال السنوات الماضية ما كانت تتعرض له إيران من هجوم وقصف في عقر دارها من طرف أمريكا والعدو الصهيوني، دون أي رد.  فتم اغتيال كبار قادتها وعلمائها، ولم يسلم ضيوفها (الشهيد هنية رحمه الله)، ومع ذلك لم ترد إيران على كل تلك الاعتداءات المستفزة بما يناسب.

غياب الرد على هذه الاستفزازات المتكررة، جعل الكثير من المتابعين يصنفون إيران على أنها الدولة الأكثر جبنا في العالم، ولكن الحرب الحالية قلبت الموازين، فاتضح أن غياب ردود الأفعال لا علاقة له بالجبن. لقد شاهدنا جميعا كيف كان كبار القادة الإيرانيين يغتالون بالجملة دون أن يختبئوا في الملاجئ، وشاهدنا كيف شكل المواطنون الإيرانيون دروعا وسلاسل بشرية حول منشآت ومؤسسات هدد الرئيس الأمريكي الأكثر حماقة في التاريخ بأنه سيدمرها وينسفها بعد ساعات.

لقد أثبتت القادة شجاعتهم، وأثبت الشعب شجاعته، وما كنا نتابع في الماضي من عدم رد إيران على الاستفزازات الأمريكية والصهيونية لا علاقة له إطلاقا بالجبن، وإنما هو نتيجة لصبر استراتيجي، يصعب على المتابع تفهمه، ويقتضي هذا الصبر الاستراتيجي أن يُضبط الرد وفق ساعة إيران، لا وفق ساعة العدو، مهما كان مستوى الاستفزاز.

2 ـ جرأة غير مسبوقة: لم يكن أكثر الناس جرأة يتخَيَّل أن إيران عندما تقرر أن تنتقل من امتصاص الضربات الأمريكية والإسرائيلية إلى الرد عليها، أنها سترد من خلال قصف ست دول في المنطقة في وقت واحد!!

إن قصف إيران للقواعد الأمريكية في المنطقة، لا يعني فقط مواجهة أمريكا، بل يعني أيضا مواجهة الدول التي توجد بها تلك القواعد. ومن الجرأة غير المسبوقة التي أظهرت إيران في هذه الحرب، عدم ترددها ـ للحظة ـ في غلق مضيق هرمز، ويبدو أن أمريكا لم تكن تتوقع أن يتم غلقه بسرعة، وبشكل حاسم وقاطع وحازم كما حدث.

لقد أثبتت إيران في الحرب الأخيرة بأنها تمتلك جرأة غير مسبوقة، لا يعادلها إلا صبرها غير المعهود.

3 ـ المهارة في التفاوض: أثبتت إيران في الحرب الأخيرة أنها مفاوض شرس، فهي كانت تتألم يوميا بفعل القصف العنيف والدمار الشديد الذي لم يتوقف خلال شهر كامل، ومع ذلك أصرت على مواصلة الحرب، وعدم القبول بتوقفها حتى يُستجاب لشروطها كاملة غير منقوصة، وقد استجابت أمريكا مكرهة لا بطلة للشروط الإيرانية العشرة. أما العدو الصهـيوني فقد كان خارج طاولة التفاوض.

حسابيا، وبلغة المعادلات الرياضية يمكن أن نلخص نقاط القوة الإيرانية في المعادلة التالية:

إيران اليوم = صبر استراتيجي غير معهود + جرأة غير مسبوقة + مفاوضات شرسة.

ثانيا/ نقاط الضعف: تعاني إيران من نقطة ضعف قاتلة، وقد تجسدت نقطة الضعف هذه، في إعادة طرح السؤال الصادم خلال أيام الحرب، فقد طرح هذا السؤال في كل البلدان العربية: أيهما أكثر عداءً للعرب إيران أم إسرائيل؟

ومع أن هذا السؤال لم يكن وجيها، ومع أن العرب يتحملون جزءا كبيرا من المسؤولية في طرحه، إلا أنه على إيران أن تسارع اليوم بجرأتها وشجاعتها التي تحدثنا بها في هذا المقال إلى الاعتذار بشكل خاص لدول الخليج التي قصفتها خلال الحرب، وللعرب كافة بشكل عام، وأن تعمل من الآن وليس غدا، على تصحيح صورتها في المنطقة العربية، وبذلك ستتعزز مكانتها إقليميا ودوليا.

وفي المقابل، فعلى القادة العرب، أن يستوعبوا الدروس والعبر من الحرب الأخيرة، فقد كانوا خارج قرار إعلان هذه الحرب، وخارج قرار توقيفها، مع أنهم من أكبر المتضررين من نتائجها.

على القادة العرب أن يدركوا:

1 ـ أن القواعد الأمريكية لا توفر الأمن، بل على العكس من ذلك، فإنها قد تجلب الدمار والخراب؛

2 ـ أن النظام العالمي القائم على قطب واحد قد انتهى بالفعل برضوخ أمريكا للشروط الإيرانية..إننا أمام تشكل عالم متعدد الأقطاب؛

3 ـ أن إيران باقية بجوار العرب، وأنها هي وتركيا وباكستان دول إسلامية، ومن الأفضل والأسلم للعرب أن يشكلوا مع هذه الدول الإسلامية، حلفا عربيا إسلاميا ستكون له مكانته القوية في عالم متعدد الأقطاب يتشكل حاليا...هذا الحلف كتبتُ عنه عدة مقالات خلال السنة الماضية، يمكن العودة إليها.

حفظ الله بلاد العرب والمسلمين..

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122