في الحروب الحديثة لم يعد ميزان القوة يتغير فقط بصوت الطائرات المقاتلة الثقيلة أو حاملات الطائرات الضخمة.
أحيانا يتغير بصوت خافت لطائرة صغيرة بلا طيار، وهذا ما تكشفه الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين إران من جهة، وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى.
هذه الحرب لا تعكس فقط مستوى التوتر في المنطقة، بل تكشف تحولا مهما في طبيعة القوة العسكرية، فالسلاح الذي يلفت انتباه المراقبين اليوم ليس الطائرات المقاتلة المتطورة فحسب، بل الطائرات المسيّرة التي أصبحت أداة قادرة على التأثير في حسابات الردع لدى الخصوم.
فخلال السنوات الأخيرة عملت إيران على تطوير أسطول متنوع من الطائرات المسيّرة القادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم على مسافات بعيدة نسبيا.
ومع مرور الوقت لم تعد هذه الطائرات مجرد وسيلة قتالية محدودة، بل تحولت إلى أداة ردع فعّال حتى بعد اندلاع الحرب. فأساطيل إيران من هذه الطائرات قادرة على الهجوم على البنية التحتية للطاقة في الخليج العربي، وهي منشآت ترتبط بشكل مباشر باقتصاد العالم، خاصة عند بدء أي عملية برية كبيرة وبالتالي فهي سلاح ردع يمنع من المعركة البرية.
وهذا الردع المستمر يجعل من أي تصعيد محتمل قراراً مكلفاً ومخاطراً للخصوم، ويجعل إيران تمتلك قدرة ضغط استراتيجية حتى في وسط المعركة.
وتشير دراسات صادرة عن مراكز بحوث استراتيجية إلى أن الطائرات المسيّرة أصبحت جزءاً مما يعرف بالردع غير المتكافئ. فالدولة التي لا تمتلك تفوقاً عسكرياً تقليدياً كبيراً تستطيع أن تعوّض ذلك عبر أدوات أقل كلفة وأكثر مرونة.
فمجرد التهديد بإطلاق موجات من الطائرات المسيّرة نحو منشآت الطاقة أو الموانئ أو طرق الملاحة قد يكون كافياً لإحداث تأثير اقتصادي واسع، لأن الاقتصاد العالمي يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار هذه المنشآت الحيوية.
كما كشفت التجارب الميدانية مفارقة لافتة في الحروب الحديثة: فإسقاط طائرة مسيّرة منخفضة الكلفة قد يتطلب استخدام صاروخ دفاع جوي مرتفع الثمن.
ومع إطلاق أعداد كبيرة من هذه الطائرات في وقت واحد تصبح منظومات الدفاع الجوي أمام تحدٍ معقد، لأن اعتراضها جميعاً يتطلب موارد مالية وعملياتية كبيرة.
هذه المعادلة الجديدة لا تهم دول الشرق الأوسط وحدها، بل تحمل دروساً لدول أخرى بعيدة عن ساحة الحرب، فموريتانيا دولة ذات مساحة واسعة وحدود طويلة، وتقع في بيئة إقليمية تتطلب قدر من اليقظة والتوازن الأمني مع محيطها.
وفي مثل هذا السياق قد لا يكون بناء قوة جوية تقليدية ضخمة الخيار الأكثر واقعية من الناحية الاقتصادية، لكن تجربة الحروب الحديثة تفتح باباً آخر يتمثل في تطوير قدرات فعّالة في مجال الطائرات المسيّرة.
فامتلاك منظومة وطنية للطائرات المسيّرة يمكن أن يحقق لموريتانيا عدة مكاسب.
أولها تعزيز مراقبة الحدود والمساحات الشاسعة بكلفة أقل مقارنة بالوسائل التقليدية.
وثانيها توفير قدر من الردع العسكري، لأن الدولة التي تستطيع تشغيل هذا النوع من الطائرات ترسل رسالة واضحة بأن أي تصعيد محتمل لن يكون بلا ثمن.
أما المكسب الثالث فهو خلق توازن نفسي واستراتيجي مع أي طرف يفكر في اختبار حدود القوة.
الدرس الذي تقدمه الحروب الحديثة واضح:
القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات المقاتلة، بل بقدرة الدول على توظيف التكنولوجيا بذكاء لبناء ردع فعّال ومستدام.
ومن هذه الزاوية، قد تحمل حرب تدور على بعد آلاف الكيلومترات من نواكشوط رسالة مهمة لموريتانياةعلينا أن نلتقطها بذكاء استراتيجي:
"في عصر الطائرات المسيّرة تستطيع الدول المتوسطة والصغيرة أن تبني توازنها الدفاعي بوسائل أكثر مرونة وأقل كلفة، دون الحاجة إلى الدخول في سباقات تسلح مرهقة"
تقبل الله القيام والصيام
أحمدو ولد أمبارك