إكس ولد إكس إكرك يكتب: غيلان (ذو الرمة) وأهل المنتبذ القصي

2018-01-22|14:50

لئن كانت بلاد الغرب تموت من البرد حيتانها على حد تعبير الروائي الطيب صالح، فإن بلاد نجد والمنتبذ القصي يهلك في جوانبها النسيم لفرط الحر، كما يقول غيلان ذو الرمة:
تموت قطا الفلاة بها أواما :: ويهلك في جوانبها النسيم

ولئن كان ذو الرمة غيلان بن عقبة شاعرا استثنائيا، فقد عشقه وتماهى معه رجال استثنائيون من أهل المنتبذ القصي.

كان أول شرح لديوان ذي الرمة يصل للمنتبذ القصي، هو شرح ابن خروف الأندلسي، وهو علي بن محمد بن علي بن محمد بن نظام الدين الحضرمي، المعروف بابن خروف الأندلسي الإشبيلي.
ولد ابن خروف بإشبيلية سنة 525 هجرية وكان إماما في العربية محققا مدققا ماهرا مشاركا في الأصول، كان في خلقه زعارة لم يتزوج قط، وكان يسكن الحانات، كان مقرئا مجودا عارفا بالقراءات، وله في الحديث وعلومه يد، وهو من أوائل العلماء الذي رجّحوا الاحتجاج بالحديث ، على صحة المفردات اللغوية والأساليب الفصيحة.

كان يتجول في البلاد في طلب التجارة، بين رندة وإشبيلية وسبتة وفاس ومراكش، وأقام في حلب مدة، وكان يفيد أهل كل مدينة يدخلها للتجارة، فيقصده الطلبة من أهلها، فمتى حل ببلد انتصب لتدريس ما كان لديه من المعارف ريثما ينهي غرضه من البيع والإقامة ويستوفي الجعل على الإقراء من الطلبة، ولايسمح لأحد بالقراءة عليه إلا بجعل يرتبه عليه ثم يرحل.

وكان وقور المجلس مهيبا، اشتهر بعنايته بـ "الكتاب" لسيبويه وشرحه وإقرائه، وقد صنف عليه شرحا سماه "تنقيح الألباب في شرح غوامض الكتاب"، وحمله إلى سلطان المغرب فأعطاه ألف دينار، وهو من مليح مصنفات أهل الأندلس في هذا الباب.
وكانت وفاته في إشبيلية سنة 610 هجرية، عن خمس وثمانين سنة، وكان قد فقد عقله حتى مشى في الأسواق عاريا.
وكان شرحه لديوان ذي الرمة معتمدا في المنتبذ القصي خاصة في محاظر العلويين والحسنيين كما يقول الباحث الدكتور محمذن ولد المحبوبي.

ومن الرجال الاستثنائيين الذين عشقوا غيلان ذا الرمة محمدو السالم بن الشين الإچكوچي، وهو محمدو السالم بن عبدالله بن حبيب الله ولد سنة 1865 في ببلدة انكرمدي لدى أخواله من أولاد بو المختار الحسنيين الذين يقول شاعرهم الذيب:
ونحن العرب من بين الزوايا :: ونحن أشمّها في المجد باعا
لنا العربية الفصحى وإنا :: أعم العالمين بها انتفاعا
فمرضِعنا الصغير بها يناغي :: ومرضُعه تكورها قناعا
فنأخذها من الكتب اعتمادا :: بما فيها، ونأخذها ارتضاعا
درس مبكرا القرآن الكريم ودرس علومه، ثم توسع في علوم اللغة والفقه، والعقيدة والسيرة النبوية، وبعض دواوين الشعر العربي في عصوره المختلفة من الجاهلية حتى العصر العباسي، تلقى كل تلك العلوم على أفراد أسرته، ثم تاقت نفسه للاستزادة فطوف في المحاظر، مر على شيخ الشيوخ العلامة يحظيه ولد عبد الودود ومكث معه فترة أعجب خلالها يحظيه بذكائه أيما إعجاب ثم رحل نحو الشرق وذات سانحة ذكره أحدهم في مجلس يحظيه فقال يحظيه متنهدا "هح يذاك اطفل إچكوچي!".
قدم سنة 1946 إلى الحوض الشرقى وأتى ضحوة لمجلس العلامة الشيخ المحفوظ ولد بيه، وتطرق الدرس لتفسير الآية "ولهم فيها أزواج مطهرة".
قال الشيخ المحفوظ: الأزواج: جمع زوج بلا هاء في اللغة الفصحى، والزوجة بالهاء لغة لا لحن كما زعمه البعض، وفي حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها زوجتي" أخرجه مسلم ، ومن شواهده قول الفرزدق:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي :: كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
وشرح الشيخ المحفوظ قوله "يستبيلها" أي يتخذها إبلا
فقال ولد الشين: ذاك بعد ماه هو إلّ عدي بيه افلخيام
فنظر إليه المحفوظ وكان مضجعا وقال: ذاك اشكيفو؟
فقال ولد الشين: يستبيلها أي يطلب أبوالها ومنه قول الأحوص:
وإن الذي يجري لسخطي وريبتي::لك الويل ريح الكلب إن كنت تعقل
لكالمستبيل الأسد والموت دون ما :: يحاول من أبوالها اذ تبوّل
فجلس الشيخ المحفوظ وأدناه من مجلسه وتباحث معه فإذا هو بحر لا ساحل له فاستبقاه في محظرته وأسند إليه دروس اللغة والنحو والصرف فأحبه العلماء والوجهاء هناك وأقبلوا على الاستفادة منه.
كان رحمه الله آية في حفظ اللغة والنحو، له تأليف على الفعل الثلاثي وتكملة لاحمرار الحسن بن زين سماه "حاشية ابن الشين عل طرة ابن زين"
أحب ولد الشين غيلان وكان كثير الترديد والاستشهاد بشعره وشرح ديوانه في جزءين شرحا سماه "شرح ديوان غيلان ذي الرمة".
وإذا كان ذو الرمة يهجو بتجريد المهجو من القيم والأخلاق الإسلامية، كما في هجائه لامرئ القيس، الذي نعته بصفات غير دينية وغير أخلاقية كنوع من الشتيمة والهجاء، فإن ابن الشين كان يهجو أهل البخل وعديمي المروءة الذين يمنعون القِرى والزاد، ويقول تلميذه العلامة عبد الله ولد بيّه إنه تورع في آخر أيامه عن الهجاء.

ومن الرجال الاستثنائيين الذين عشقوا غيلان ذا الرمة الشاعر الأديب التقي ولد بلا الحسني، فقد عشق شعر ذي الرمة حد التماهي، فكان جزءا من شعوره وكيانه، وكتب على ديوانه شرحا نفيسا يعد أبرز الشروح والتعليقات على شعر ذي الرمة في المنتبذ القصي إلى اليوم، وكان كثير الزيارة للعلامة اباه ولد عبد الله في النباغية وكان يعرض عليه شرحه لغيلان، وما زال ذلك الشرح في رفوف وزارة الثقافة يستنجد من ينقذه من الضياع.
تماهى التقي مع غيلان، كما تماهت الأماكن بين نجد والمنتبذ القصي وبين حزوى وتنديجمار.

ومن الشخصيات الاستثنائية التي أحبت غيلان وأحبت شعره الدبلوماسي والإعلامي عبد الله ولد أربيه رحمه الله، يقول عنه صديقه الروائي الكبير الطيب صالح:
عبد الله ولد أربيه.. هذا الانسان النادر المثال.. عرف البادية وأحبها، عرف ناسها وحيوانها وجمادها وأشجارها وجبالها وأوديتها، لذلك فانه كان يستجيب للشعر العربي القديم بكل جوارحه، منفعلا بالأوصاف والأحاسيس والبيئات العربية قبل الاسلام وبعده، كأنه عايشها حقيقة.
وكان يؤثر شاعرا لا يستسيغ شعره إلا قليلون هذه الأيام لصعوبته، ذلكم هو ذو الرُمة. كثيرا ما كانت تدمع عيناه وهو يستذكر شعر ذي الرمة، مثل قوله :
كأنا ومياً بعد أيامنا بها :: وأيام حزوى لم يكن بيننا وصل
ولم يتربع أهل ميٍ وأهلنا :: صرائم لم يغرس بحافاتها النخل
بها العائذ العيناء يمشي وراءها:: أصيبحُ أعلى اللون ذو رمل طفل
أقامت به حتى تصوَّح باللوى :: لوى معقلاتٍ في منابتها البقل
لم يكن ذو الرمة من الشعراء المفضلين لدي، ولم أكن أحفظ له إلا أبياتا متفرقة مثل بيته الشهير :
تمام الحج أن تقف المطايا :: على خرقاء واضعة اللثام
ولكن عبد الله رحمه الله حببني فيه، وكان يذكرني دائما بقول القدماء، إن ثلث اللغة العربية في شعر ذي الرمة.

ومن الشخصيات الاستثنائية التي سحرها غيلان ذو الرمة وتماهت معه الصحفي والسياسي الراحل الباهي محمد، محمد فال اباه بن الننيه، يقول عنه صديقه الروائي الكبير عبد الرحمن منيف:
كان يمشي في صباحات بيروت، بنخوته المتأصلة، وحين تأتي إليه قبرة أو حمامة، يتلو على خصلتها التي تراقصها الريح، قصائد غيلان:
إذا ما وردنا لم نصادف بجوفه :: سوى واردات من قطاً وحمام
كأن صياح الكدر ينظرن عقبنا :: تراطن أنباط عليه قيام

في باريس، عاش الرجل. عاش بكل ما تعنيه الكلمة من معاني الشبع. نزل إلى مغاراتها السرية، تشرب دروبها، وكان من أكبر المشائين بها، وبها ظل يزور "مقبرة الكلاب" ويقرأ على الشواهد الصغيرة بصوت مرتفع قصائد "ذي الرمة:
أمنزلتي مي سلام عليكما :: هل الأزمن اللائي مضين رواجع
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى :: ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع
توهمتها يوما فقلت لصاحبي :: وليس بها إلا الظباء الخواضع
قف العنس ننظر نظرة في ديارها :: فهل ذاك من داء الصبابة نافع
فقال: أما تغشى لمية منزلا :: من الأرض إلا قلت: هل أنت رابع
وقَلَّ إلى أطلال مي تحية :: تحيى بها أو أن ترش المدامع
ألا أيها القلب الذي برحت به :: منازل مي والعران الشواسع
أفي كل أطلال لها منك حنة :: كما حن مقرون الوظيفين نازع

سؤال حياة غارق في قلق الفلسفة عن معنى الكائن في سديم الوقت. مثلما عاش كل الأزمنة الصعبة للفعل السياسي الوطني، القومي العربي، والإنساني. هناك، ظل منارة تنير طريق الكثير من التائهين في دروب المنافي الباريسية، مثلما ظل واحة راحة للكثير ممن طوحت بهم دروب الفعل السياسي المناضل. وظلت له مكرمة حفظ الأسرار والوفاء للمودات وللرجال.

ومن الرجال الاستثنائيين الذين عشقوا غيلان ذا الرمة الشاعر والأديب العلامة اللغوي محمد ولد محمودا الفاضلي الديماني نزيل النباغية، يقول عنه تلميذه الكاتب والصحفي حنفي ولد دهاه:
كان يحفظ ديوان غيلان عن ظهر قلب، ويفقه وحشيَ لغته وغريبها، لن يتحدث إليك الرجل دون أن يأتي على ذكر غيلان، وكأنه يتلذذ باسمه، ويعتبره أشعر الأنس والجن، وأن الشياطين نفثوا في روعه ما يأتي به من قريض، وأن التاريخ لم ينصفه كما أنصف معاصريه، ويعيد أسباب ذلك لعفة صاحبه عن الورود على أبواب السلاطين، حيث اقتصرت أمداحه على بلال ابن أبي موسى الأشعري، ولعفة لسانه أيضا عن الخطل في عصر سادت فيه النقائض وثقافة الهجو والثلب.
كما يرى أيضا أنه كان محسدا من شعراء عصره، ويأخذ منه الغضب كل مأخذ حين يقرأ القصة المتواترة في كتب الأدب: أن جريرا أسعف غيلان بأربعة أبيات زاد بها قصيدة له، أولها:
يعد الناسبون إلى تميم :: بيوت العز أربعة كبارا
يعدون الرباب وآل سعد :: وعمرا ثم حنظلة الخيارا
فلما سمع الفرزدق الأبيات قال له: لقد لاكهما من هو أقوى منك حنكا "! فهل هناك من هو أقوى حنكا، وأحسن نحيزة في صوغ القوافي من ذي الرمة!.
اذكر أنني حدثته مرة أن أباعلي القالي أورد في "أماليه" أن لغيلان أخا يدعى سلمة، فمكث ساعتين يهز رأسه عرضا، علامة الإنكار، وقال لي "إن بطنا اتسع لغيلان لن يتسع لغيره" و طفق يسوق الحجج والبراهين على بطلان ما أورده القالي. ثم قال لي "لو كان لغيلان أخ لذكره في شعره كما ذكر الشماخ مزردا".
وقد ذهب به الولع بغيلان أن سمى بقرته الحمراء، الهزيلة، التي لم يكن يملك من متاع الدنيا غيرها "صيدحا" على اسم ناقة ذي الرمة:
رأيت الناس ينتجعون غيثا::فقلت لصيدح انتجعي بلالا
وكانت بقرة الشيخ محمد التي ينفق جل يومه في إطعامها الكاغد، ثم لا يجد في ضرعها درا يغذيه، هي الأنيس الملاطف له في عزلته. كانت تستبين صوته من بين أصوات الناس، وتقفو اثره حذو النعل بالنعل، كما يقفو وليد أثر أمه، وقد جزع عليها جزعا شديدا حين عاجلتها المنون.

يقول محمدو ولد محمدي:
فإنني ببكا غَيْلانَ ربع لوى :: حزوى أو أربع وعسى مشرق، قمِنُ

كامل الود

لا يتوفر نص بديل تلقائي.



تابعونا على