ما بعد المالكية../ المهدى ولد أحمد طالب

2017-11-12|21:55

لقد أسقطت قضية "ولد امخيطير" الكثير من الأقنعة وأحرجتنا جميعاً بما في ذلك "زمرة الفقهاء"، الذين أصبح البعض منهم يتحسَّس الأقوال الشاذة والضعيفة في المذاهب الفقهية الأخرى من أجل إيجاد مخرج للمنظَّمات الدولية؛ في الوقت الذي رفضوا "القبض في الصلاة" - المنصوص عليه في الموطأ - بحجَّة مخالفته للمشهور وتمسَّكوا بالقول الضعيف في السدل المروي عن ابن القاسم.

إنَّ التلاعب بنصوص المذهب وتتبُّع الرخص، والتساهل فيما محلُّه التشديد (حماية الجناب النبوي)، والتشديد فيما محلَّه التساهل ( ما عمَّت به البلوى في مسائل البيوع)، يجعل "مالكيتنا وخليليتنا" تواجه أكبر تحد في عصر ما بعد (المالكية).

أحرقت نصوص المذهب في وضح النهار وتمَّ تسفيفها أمام أعين الفقهاء الذين بنوا القصور وملكوا السيارات الفخمة، ونالوا الامتيازات من مختصر خليل وفتاوى ابن القاسم وأشهب وأصبغ، وما زال البعض منهم إلى اليوم يتقلَّد وظائف عليا وليس لديه من الفقه ومدارك العقل والتنزيل غير قال خليل ... بطبيعة الحال محمد بن إسحاق رجل لا ريب في مكانته العلمية وإضافته الفقهية مشكورة ومحمودة، لكنَّ مظاهر التلاعب بمختصره لن ترضيه لو كان بين أظهرنا ولن ترضي مالكاً ولا ابن القاسم أو أشهب.

إنَّ هذه الظاهرة سبق وأن ظهرت في نهايات الحكم الإسلامي في الأندلس، بعد أن ملك الفقهاء مفاتيح القصور، وملكوا أزمَّة الحدائق والمنتزهات، وفي هذا يقول ابن البني - أحد علماء جيان في الأندلس - معرضاً بفقهاء زمانه كما جاء في "المعجب" للمراكشي:

أهل الرياء لبستموا ناموسكم ... كالذئب أدلج في الظلام العاتم

فملكتموا الدنيا بمذهب مالك ... وقبضتموا الأموال بابن القاسم

وركبتموا شهب الدواب بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم

وفي ذات الوقت لا يمكننا أن ننكر دور بعض فقهاء (المذهب) كابن العربي والقاضي عياض وغيرهم من العلماء الأفذاذ الذين نصحوا لله ورسوله وأقاموا الحجَّة، ونفع الله بهم وأضاء المحجَّة، وكان آخرهم شيخ مشايخنا (بداه ولد البصيري) الذي رفض التلاعب بنصوص المذهب وظلَّ على ذلك إلى أن توفاه الله؛ عاملا بالراجح، ومتمسِّكاً بالمشهور فيما لا نصَّ فيه.

إنَّ مرحلة (ما بعد المالكية) هذه - التي أحدثتها عولمة القضايا الفكرية وقولبتها والنظر إليها بأكثر من منظار وتزكية المنظَّمات الغربية لبعض الفقهاء - تستدعي إعادة النظر في طرق تعاملنا مع نصوص المذهب وقواعده، ذلك أنَّ مذهب مالك - هو الوحيد من بين المذاهب - من نصَّ على ضرورة مراعاة الخلاف في تنزيل الأحكام من جهة، هذا بالإضافة إلى سدِّ الذرائع من جهة أخرى، وكان الأجدر بفقهائنا (الأجلَّاء) التعامل مع نصوص المذهب وفق ما قرَّر في طرق التعامل مع (النوازل)، وأن لا ينجرفوا خلف الأقوال الشاذَّة والضعيفة، ويتركوا ما قوي دليله واشتهر قائله داخل المذهب.

 

نقلا عن صفحة المدون المهدى ولد أحمد طالب



تابعونا على