كيف خطط الإخوان لاغتيال عبد الناصر وكيف تعامل معهم؟!

2015-07-25 04:17:00

كان الإخوان قد وصلوا مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى طريق مسدود، وكانوا قد أعادوا تنظيم النظام الخاص - كما سبق أن أشرنا  وفي اللحظة الحاسمة قرروا التخلص من عبد الناصر، ففي يوم 26/2/1954

.

وبمناسبة توقيع اتفاقية الجلاء وقف الرئيس عبد الناصر يلقي خطاباً بميدان المنشية بالإسكندرية، وبينما هو في منتصف خطابه أطلق محمود عبد اللطيف - أحد كواد النظار الخاص لجماعة الإخوان - ثماني طلقات نارية من مسدس بعيد المدى باتجاه الرئيس ليصاب شخصان وينجو عبد الناصر، وحتى هذه اللحظة يصر الإخوان على أن هذا الحادث لا يخرج عن كونه تمثيلية قام بها رجال الثورة للتخلص من الجماعة، ولكن المتهمين في المحكمة العلنية - "محكمة الشعب"

 التي كانت تذاع وقائعها على الهواء مباشرة عبر الإذاعة المصرية - قدموا اعترافات تفصيلية حول دور كل منهم ومسؤولية الجماعة عن العملية، (تم جمع هذه المحاكمات ونشرها بعد ذلك في جزأين بعنوان محكمة الشعب) وقد شكك الإخوان كثيراً في حيادية هذه المحكمة، لكنهم لم يعلقوا على ما ورد على لسان أبطال الحادث في برنامج الجريمة السياسية الذي أذاعته فضائية الجزيرة عبر حلقتين في الثاني والعشرين والتاسع والعشرين من ديسمبر عام 2006، والذي تفاخروا – من خلاله - بالمسؤولية عن الحادث، وأنه تم بتخطيط شامل وإشراف دقيق لقيادات الجماعة.

تعامل عبد الناصر مع «الإخوان» لم يقتصر على ملاحقتهم وقمعهم لكنه استوعب بعض رموز الجماعة ومنحهم مناصب في الدولة، أي أنه جمع بين الجزرة والعصا، وإن كانت الغلبة للأخيرة، وشهدت سجون ومعتقلات عبد الناصر تجاوزات لحقوق الإنسان ربما كانت من بين أسباب ظهور أفكار التكفير والجهاد، كما لم ينجح الحكم بإعدام سيد قطب في القضاء على أفكاره، لذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل نجح النهج الناصري في القضاء على فكر «الإخوان» وجماعات التطرف الإسلامي؟ أعتقد أن هزيمة المشروع الناصري في 1967 ثم موت عبد الناصر المفاجئ عام 1970، فتحا الطريق سريعاً أمام عودة «الإخوان»، خاصة بعد أن عقد السادات تحالفاً مع الجماعة أفرج بموجبه عن معتقليها وسمح بعودتهم إلى العمل الدعوي والسياسي مقابل دعمهم إياه في مواجهة اليسار والناصريين. وقناعتي أن حسابات السادات السياسية لم تكن صحيحة، لأن خطر «الإخوان» كان أكبر من كل الأخطار والتهديدات الداخلية التي كانت تواجه السادات، بدليل صدامهم مع السادات، وقيامه باعتقال قياداتهم وكل القوى السياسية التي عارضت اتفاقية السلام مع إسرائيل، ثم اغتياله على يد تنظيم متطرف خرج غالبية عناصره من عباءة «الإخوان».

أن أشكال التدين الذي يعتبرونه شكليا إضافة انتشار إلى الحجاب والنقاب في مصر منذ سبعينيات القرن العشرين له صلة مباشرة بالعمالة التي عادت إلى البلاد حاملة أنماط السلوك في السعودية التي لا تسمح للنساء بكشف وجوههن في الشوارع أو قيادة السيارات. وشهدت مصر عمليات إرهابية نفذها متشددون إسلاميون ففي عام 1992 اغتيل الكاتب فرج فوده (1946-1992) أمام منزله بالقاهرة على يد شاب أوعز إليه أن فوده مرتد. واتهم الشيخ محمد الغزالي (1917-1996) وهو يصنف ضمن تيار ما يسمى بالاعتدال الإسلامي في شهادته أمام المحكمة الكاتب القتيل بأنه مرتد في إدانة صريحة للضحية. كما حاول شاب غير متعلم اغتيال الروائي نجيب محفوظ عام 1994 مدفوعا بفتوى أنه مرتد.

 إن الشيخ محمد عبده الذي توفي عام 1905 قاد حركة للإصلاح الديني في مصر "ولم يكن يدري أن حركته سيقوم بإجهاضها تلميذه (محمد) رشيد رضا لصالح السعوديين وأيديولوجيتهم السلفية... تحول التدين السني الصوفي المصري إلى تدين سني وهابي متطرف" واصفا ما حدث بأنه غزو.

  أنه كان يمسك بيد من حديد بميزانية الجماعة. كما ينقل عن شقيقه جمال البنا أنه كان يخفي مصادر التمويل عن الأعضاء الكبار في مجلس الإرشاد. ويشير إلى أنه عن طريق الدعم المالي السعودي تمكن البنّا الذي كان يعمل مدرسا من إنشاء 50 ألف شعبة للإخوان في عموم مصر وعن طريقها انتقلت الوهابية شرقا وغربا  إنه بفضل النفط انتشر الفكر الوهابي "المناقض للإسلام تحت اسم الإسلام في أكبر خديعة تعرض لها المسلمون طوال تاريخهم" محملا الوهابية مسؤولية ما يصفه بتقنين العنف ونشره في العالم.قد قامت  جماعة الإخوان بالتآمر على السعودية التي استضافتهم خلال حكم الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر قائلا إنها اشترطت عليهم ألا يمارسوا العمل السري داخلها لكنهم تخلوا عن وعدهم وأنشئوا حركة معارضة من السعوديين الذين هرب بعضهم إلى الخارج "ومن رحم تلك المعارضة السعودية خرج أسامة بن لادن أكبر إرهابي في العصر الحديث.

أن قادة الإخوان بحثوا مع الانجليز عودتهم إلي قاعدتهم في مصر وتشكيل لجنة من المصريين والانجليز لبحث كل الأمور وقد رفضت مصر هذا الاقتراح بشدة بينما تمسك به الانجليز .

من جهة أخري نما إلي علم جهاز المخابرات أن الجماعة تقوم ببث الدعوة لجمع أكبر عدد من صف ضباط وجنود ليكونوا تحت إمرة المرشد العام الإخواني وقد استدعي جمال عبد الناصر ممثل المرشد حسن العشماوي وهدده بأن هذه التصرفات تظهر أن الجماعة تدبر أمراً يهدد مصير البلاد.. ولن يستفيد منه إلا المستعمر وأنذره بأن الثورة لن تقف مكتوفة الأيدي ومضي البيان يسرد الوقائع الإرهابية ومنها اغتيال المهندس السيد فايز عبد المطلب بواسطة صندوق ديناميت أرسل إلي منزله علي أنه هدية من الحلوى بمناسبة المولد النبوي وقد انفجر فيه الصندوق وقتل معه شقيقه الصغير البالغ من العمر 9 سنوات وطفلة صغيرة كانت تسير تحت الشرفة التي انهارت بفعل الانفجار.

وعقب صدور بيان أسباب حل الجماعة.. اشتدت حركتهم واتسع نطاق أعمالهم السرية.. وطبقاً لسيناريو الإرهاب الذي لا يغيرونه أرادوا تطبيق حادث اغتيال محمود فهمي النقراشي الذي وقع عام 1948 علي الثورة فدبروا حادث محاولة اغتيال عبد الناصر في الإسكندرية في 10 أكتوبر 1954 وفشلوا.

بين عبد الناصر وعبد الفتاح السيسي، حصلت أمور كثيرة: أنور السادات، خليفة عبد الناصر من العسكر، أخرج "الإخوان" من السجون، بغرض الإستقواء بهم ضد اليساريين. وحسني مبارك تلاعب بهم، وتلاعبوا هم به، في ملحمة من الابتزاز الأمني، والاحتضان الأيديولوجي، رافقته شروط اشتراكهم في انتخابات تشريعية فاسدة.

سبقت هذه اللعبة، وتخللتها عمليات إرهابية، كان "الإخوان" من أشدّ المتنصّلين منها. وهذا التنصّل لم يقضِ على قانون "الأواني المستطرقة"، الذي كان ينطبق على المستعجلين من بين "الإخوان"، أو الغاضبين من الابتزاز، أو "القطبيين"، (نسبة إلى سيد قطب) دعاة"حاكميه الله"... فيسمح لهم بالانتقال من التنظيم "الشرعي" إلى العمليات الإرهابية. هكذا مرّ نصف القرن السابق: يتأرجح أثناءه "الإخوان" بين الإرهاب القليل والعمل السياسي السلمي، يلوِّن أحدهما بالآخر، من الناحية الفكرية خصوصاً. فبنيت القاعدة الصلبة للإرهاب بقمع "الإخوان" أمنيا وإفلاتهم إعلاميا وفكرياً. مع انه خلال السنوات الخمسين هذه، كان يمكن الخلوص إلى درس مفيد: إن قمع "الإخوان" لا يفضي إلا إلى الإرهاب؛ والإرهاب الإسلامي، الأعتى... من سيد قطب إلى محمد مرسي، لم يُستوعب الدرس بعد. وحبل غياب الفطنة طويل، قد يمتد على نصف قرن من الآن، تتحول خلالها الأرض إلى يباس، إلى أرض موت عادي، إلى ضحالة ثقافية، طليعتها تلك الأبواق المهلّلة لقرار السيسي بالاستحواذ على كامل السلطة، باسم استقرار وهمي، وناصرية تحتاج بدورها إلى زيارة جديدة. عندما شعر الضباط المصريون بالرغبة فى التغيير عام 1942، كان منطقياً أن ينصرفوا بأذهانهم إلى أكثر الحركات السياسية قدرة على معاونتهم لإحداث التغيير، لتبدأ من وقتها العلاقة بين الضابط الشاب جمال عبدالناصر مؤسس تنظيم الضباط الأحرار ومفجر ثورة 23 يوليو، فيما بعد، وبين جماعة الإخوان المسلمين، وهى علاقة تعددت الروايات بشأن ما جرى فيها، قبل الثورة، لكن الثابت بعد الثورة أنها تحولت من علاقة تعاون وتحالف إلى صدام عنيف، وكراهية من جانب التنظيم الإخوانى، لم يتوان عناصر الجماعة عن الإعلان عنها فى كل مناسبة وتوريثها لبعضهم البعض جيلا بعد آخر.

وعلى الرغم من مرور 45 عاما على رحيل الزعيم جمال عبدالناصر، إلا أن كراهية جماعة الإخوان المسلمين للرجل لم تتوقف يوما أو تقل حدتها، على الرغم مما تدركه الجماعة وغيرها ممن عادى عبدالناصر من تنظيمات أو أفراد من أن الزعيم الراحل احتل مكانة هى الأبرز والأقوى فى قلوب الملايين من أبناء الشعب المصرى والشعوب العربية، وهى مكانة لم تنل محاولات جماعة الإخوان وغيرها من أعداء عبدالناصر الإساءة إليه أو تشويه عصره وإنجازاته.

أخذ جمال عبدالناصر على عاتقه مهمة التحرر من الاستعمار والتبعية، وإنهاء الاستغلال وسيطرة الأجانب على الاقتصاد تحقيقا للعدالة الاجتماعية، ونصرة الفقراء والمستضعفين من أبناء الشعب المصرى، وحفلت قائمة إنجازات الـ«100 يوم الأولى» بالعديد من القرارات والإنجازات التى كانت دلائل على الانحيازات الواضحة لصالح أغلبية الشعب من الفقراء، فبعد 9 أيام فقط من قيام ثورة يوليو «2 أغسطس» تم إلغاء الرتب الباكوية والباشوية تحقيقا للمساواة، وفى «4 سبتمبر» أصدر مجلس قيادة الثورة قرارا بعملية تطهير شاملة للإدارات والمؤسسات الحكومية، وفى (9 سبتمبر 1952)، أقل من 50 يوما، أصدر مجلس قيادة الثورة قانون الإصلاح الزراعي بتحديد الملكية الزراعية بحد أقصى 200 فدان وتوزيع الباقي على فقراء الفلاحين، وأحدث هذا القانون تغييرا جذريا فى تركيبة المجتمع، باتجاه تحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة، وكان لافتا أن حسن الهضيبى مرشد الإخوان وقتها عارض هذا القانون.

كان القانون بمثابة الشرارة الأولى التى تسببت فى كره جماعة الإخوان وقتها للزعيم عبدالناصر، بعد أن أدركت الجماعة أنها لن تستطيع السيطرة على القائد المنطلق بقوة، وزاد من الأمر سعى قيادة ثورة 23 يوليو لإقامة تنظيم سياسى شامل أطلقت عليه اسم «هيئة التحرير»، وهو ما أثار احتجاج المرشد العام «الهضيبى» وقوله لعبد الناصر: «ما هو الداعى لإنشاء هيئة التحرير ما دامت جماعة الإخوان قائمة»، وفى اليوم التالى لهذه المقابلة أصدر حسن الهضيبى بياناً وزعه على جميع ُشُعَب الإخوان فى المحافظات، وقال فيه: «إن كل من ينضم إلى هيئة التحرير يعد مفصولاً من الإخوان». ثم بدأ هجوم الإخوان الضارى على هيئة التحرير وتنظيمها الجماهيرى «منظمة الشباب»، وبلغت ضراوة المواجهة بين الإخوان وشباب الثورة إلى حد استخدام الأسلحة والقنابل والعصى وإحراق السيارات فى الجامعات يوم 12 يناير 1954م وهو اليوم الذى خصص للاحتفال بذكرى شهداء معركة القناة، وتصاعدت حدة الصدام والصراع بين «الزعيم» و«الجماعة» حتى وصلت ذروتها فى العام 1965 بعدما بات واضحا أن «ناصر» سحب البساط من قواعد الإخوان الشعبية بإنجازاته الاجتماعية والاقتصادية على الأرض، فقد أممت مصر قناة السويس وبدأت فى بناء السد العالى، وحققت الخطة الخمسية الأولى 1960 – 1965، فضلا عن تبنى عبدالناصر لمشروعات حقيقية للنهضة.

خلال فترة توتر العلاقة بين الإخوان والثورة ذهب أحد أقطاب الجماعة وهو عبدالمنعم خلاف إلى القائم مقام أنور السادات فى مقر المؤتمر الإسلامى للتحدث معه بشأن الإخوان، مشيراً إلى أن مكتب الإرشاد قرر بعد مناقشات طويلة إيفاده إلى جمال عبدالناصر فرد عليه أنور السادات قائلاً: «هذه هى المرة الألف التى تلجؤون فيها إلى المناورة بهذه الطريقة، فخلال السنتين الماضيتين اجتمع جمال عبدالناصر مع جميع أعضاء مكتب الإرشاد بمن فيهم المرشد العام حسن الهضيبى، ولم تكن هناك أى جدوى من هذه الاجتماعات، لأنهم كما قال عبدالناصر يتكلمون بوجه، وحينما ينصرفون يتحدثون إلى الناس وإلى أنفسهم بوجه آخر».. ويمضى السادات فى مذكراته قائلاً: «كان عندى وفى مكتبى الأستاذ خلاف يسأل عن طريقة للتفاهم. وفى مساء اليوم نفسه كانت خطتهم الدموية ستوضع موضع التنفيذ أى يوم الثلاثاء.. كان هذا اليوم نفسه هو الذى ضربته موعداً لكى يقابل فيه جمال عبدالناصر الأستاذ خلاف موفد مكتب الإرشاد. كانت تلك نقطة التحول والتى شن بعدها جماعة الإخوان حربا ضروسا على عبدالناصر. لم تستطع جماعة الإخوان أن تروج لمقولتها بأن صراعها مع عبدالناصر كان دينيا، فعدد المساجد فى مصر فى عهد الزعيم الراحل زاد من 11 ألف إلى 21 ألف مسجد، أى أن فى فترة حكم جمال عبدالناصر (18 سنة) تم بناء عشرة آلاف مسجد، وهو رقم يقارب ما بنى فى مصر من مساجد منذ الفتح الإسلامى على يد عمرو بن العاص حتى عصر جمال عبدالناصر، وذات مرة سأل الهضيبى مرشد الإخوان وقتها جمال عبدالناصر فى أيام ثورة يوليو الأولى، وكانت الثورة قد حددت أهدافها الستة المشهورة، سأله «وأين الإسلام؟»، فكان رد عبدالناصر: «إن التحرر من الاستعمار والاستغلال بداية العمل للإسلام».كان عبدالناصر يلقى خطاباً فى ميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 أكتوبر 1954م فى احتفال أقيم تكريماً له ولزملائه بمناسبة اتفاقية الجلاء، وعلى بعد 15 متراً من منصة الخطابة جلس السباك محمود عبداللطيف عضو الجهاز السرى للإخوان، وما إن بدأ عبدالناصر خطابه حتى أطلق السباك الإخوانى 8 رصاصات صوب عبدالناصر، وأصاب معظمها الوزير السودانى ميرغنى حمزة وسكرتير هيئة التحرير بالإسكندرية أحمد بدر الذى كان يقف إلى جانب «ناصر»، وعلى الفور هجم ضابط يرتدى زيا مدنياً اسمه إبراهيم حسن الحالاتى الذى كان يبعد عن المتهم بحوالى أربعة أمتار، وألقى القبض على السباك محمود عبداللطيف وبحوزته مسدسه، وبدأت بهذه الحادثة مرحلة جديدة وحاسمة من المواجهة بين ثورة 23 يوليو وتنظيم الإخوان المسلمين! زاد من تعقيد الموقف أن التحقيقات فى الحادث كشفت سفر المرشد العام حسن الهضيبى إلى الإسكندرية قبل يوم واحد من محاولة الاغتيال، ثم ظل مختفياً منذ الحادث لفترة طويلة، وعندما صدر الحكم ضده وضد المرشد العام بالإعدام وتم تخفيف الحكم على الأخير إلى السجن مع وقف التنفيذ، ظهر الهضيبى إلى السطح من خلال رسالة خطية بعث بها من مخبئه إلى جمال عبدالناصر حاول فيها التبرؤ من الذين خططوا ونفذوا هذه الجريمة.

فى كتابه «عبدالناصر والإخوان المسلمون» يقول الكاتب الراحل عبدالله إمام، إن مصر كانت فى النصف الثانى من عام 1965م تستعد لتنفيذ خطة تنموية جديدة بعد نجاح خطة التنمية الخمسية الأولى التى حققت أكبر نسبة تنمية فى العالم الثالث كله، باعتراف الأمم المتحدة التى أكدت بأن معدلات التنمية فى مصر زادت لأول مرة عن نسبة زيادة السكان، وخلال الخطة الخمسية الأولى صدر دستور 1963م المؤقت وأجريت الانتخابات لمجلس الأمة الجديد وألقى عبدالناصر فى أول اجتماع للمجلس كشف حساب للمرحلة كلها التى سماها مرحلة «التحول العظيم». وتابع أنه «فى عام 1965م كانت مصر تخوض فى اليمن حرباً إلى جانب الشعب اليمنى دفاعاً عن ثورة 26 سبتمبر والنظام الجمهورى، وفى العام نفسه وضع الرئيس الأمريكى «جونسون» هدفاً أساسياً لإدارته هو إسقاط النظام فى مصر، وأعلن حصاراً اقتصادياً لتجويع الشعب المصرى. عام 1965 كان بمثابة ذروة الصدام بعدما تم الكشف عن أبعاد مؤامرة إخوانية كبرى ضد نظام الرئيس عبدالناصر، حيث كان للتنظيم الإخوانى أجهزته السرية، ومن بينها جهاز لجمع المعلومات الاستخبارية وآخر للاستطلاع وثالث لجلب المراسلات والأموال من الخارج، ورابع لشراء السلاح وتخزينه فى القاهرة، بالإضافة إلى خلايا لتصنيع وضخ المواد الناسفة والمواد الحارقة، وأخرى من المهندسين لمعاينة الأماكن التى سيتم نسفها وبيان إمكانية التنفيذ، ووضع التنظيم خططاً لنسف عدد من الكبارى والمصانع والقناطر ومحطات الكهرباء ومطار القاهرة ومبنى التلفزيون وبعض مراكز البوليس ومنازل كبار ضباط الأمن والمباحث العامة بقصد إحداث شلل عام فى جميع المرافق، فيما أعدت خرائط تم ضبطها لهذه المواقع كلها، وتكليفات بحق عدد من دور السينما والمسارح والمتاحف لإحداث ذعر، ليتقدم التنظيم بعد ذلك إلى الحكم بغير معارضة. قال أحد قادة التنظيم المتورطين فى مؤامرة عام 1965م أمام المحكمة.. «كان الهدف هو إحداث أكبر قدر من الفوضى والذعر، وهذا قد يؤدى إلى سقوط النظام ليقوم محله مجتمع الإسلام، وكانت هناك أكثر من خطة لاغتيال جمال عبدالناصر، واحدة منها أثناء موكبه الرسمى فى القاهرة أو فى الإسكندرية، وكان هناك من يراقب سير الموكب فى أماكن مختلفة، كما وضعت خطة أخرى لنسف القطار الذى يستقله عبدالناصر فى طريقه إلى الإسكندرية للاحتفال بعيد الثورة، وثالثة لاغتياله فى شارع الخليفة المأمون، وهو فى طريقه إلى بيته فى منشية البكرى بشمال القاهرة. بحسب اعترافات القيادى الإخوانى فقد كانت الخطط معدة أيضاً لاغتيال المشير عامر ونواب رئيس الجمهورية، وعدد آخر من المسؤولين.

صحيفة «الأهرام» أثبتت بالوثائق فى عددها الصادر يوم 10 ديسمبر 1965م صلة حلف بغداد بتوجيه وتمويل النشاط الإرهابى لتنظيم الإخوان المسلمين وكان سعيد رمضان، وهو حلقة الوصل بين قيادة التنظيم ومموليه فى الخارج، قام بتحركات مريبة وتنقل عدة مرات بين بيروت وطهران وبعض العواصم الأوروبية، وكان يسافر بجواز سفر دبلوماسى أردنى كسفير متجول للمملكة الأردنية الهاشمية، وعقب كشف مؤامرة 1965م أصدر الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر بياناً حول رأى الإسلام فى مؤامرات الإخوان قال فيه: «إن منظمات الدمار استطاعت أن تشوه تعاليم الإسلام فى إفهام حفنة من الناشئين أن الدعوة للإسلام تتم بالإكراه أو الإرهاب»، وتساءل شيخ الأزهر قائلاً: «كيف يدعى شخص أنه يخدم الإسلام ثم يستعين بأعداء الإسلام ضد المسلمين».

وفى كتابها «أيام من حياتى» شرحت زينب الغزالى مؤامرة عام 1965م التى كانت واحدة من الضالعين فيها وحكم عليها بالسجن 25 عاماً ثم أفرج عنها السادات فى أوائل السبعينيات أثناء تحالفه مع الإخوان المسلمين، تروى زينب الغزالى فى الباب الثالث من كتابها تفاصيل مثيرة عن علاقاتها بالقيادى الإخوانى الشيخ عبدالفتاح إسماعيل الذى تعرفت عليه فى السعودية عام 1957م، وكيف بايعته فى الكعبة على السمع والطاعة والجهاد فى سبيل الله، وما الذى عملته تنفيذاً لهذه البيعة بعد عودتها إلى مصر؟؟.. ثم تمضى قائلة: «كانت خطة العمل تستهدف تجميع كل من يريد خدمة الإسلام لينضم إلينا وكان ذلك كله مجرد بحوث ووضع خطط حتى نعرف طريقنا، فلما قررنا أن نبدأ العمل كان لابد من استئذان المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبى، لأن دراساتنا الفقهية حول قرار حل جماعة الإخوان المسلمين انتهت إلى أنه باطل كما أن جمال عبد الناصر ليس له أى ولاء ولا تجب له أية طاعة على المسلمين والسبب هو أنه لا يحكم بكتاب الله.

وتشير زينب الغزالى بعد ذلك إلى أن الهضيبى أوكل جميع المسؤوليات الخاصة بتنفيذ هذه الخطط إلى سيد قطب. فى رؤيته لأسباب كره الإخوان لجمال عبدالناصر يقول رفعت السعيد رئيس حزب التجمع الأسبق: «اقترب جمال عبدالناصر من الجماعة، ثم بدأت جماعة الإخوان تتعامل بأسلوب عجيب كأن تتحالف مع محمد نجيب ضد عبدالناصر بهدف أنها تضغط عليه ليقبل تنازلات لها، كالمشاركة فى الحكم وكأن يكون لها وزراء تختارهم هى، ورفض ناصر واختار عددا منهم بمعرفته هو على رأسهم الشيخ الباقورى، الذى تم فصله من الجماعة، وبدأ الصدام عندما حاولوا الانقضاض على الحكم».يقول محمد حبيب نائب المرشد الأول لجماعة الإخوان: «الإخوان لم يكرهوا جمال عبدالناصر لشخصه، ولكن إذا كنا موضوعيين نقول أن جمال كانت له إيجابياته الكبيرة، وسلبياته الكبيرة أيضا، فلا يمكن أن ننسى له اتحاده مع سوريا وحرب اليمن وقوانين يوليو والمصانع التى شيدها بمصر، أيضا لن نغفل السد العالى، جميعها أعمال ضخمة ولا يستطيع أحد إنكارها، متابعا: «من ناحية أخرى فإن ناصر، وبحسب حبيب لم يلتزم بإقامة حياة ديمقراطية كما كان مخططا ضمن المبادئ الست للثورة».

د. عادل عامر

كاتب مصري

 

نقلا عن بوابة إفريقيا

المدير الناشر
أفلواط محمد عبدالله
عنوان المقر ILOT G 122